فكأنّه قال له : لا تقل انّي أفعل إلاّ الطاعات وما يقرب إلى الله ( 1 ) . وهذا وجه حسن ، ولا يطعن في ذلك جواز الإخبار عمّا يريد فعله من المباحات التي لا يشاؤها الله ، لأنّ هذا النهي ليس هو نهي تحريم ، وإنّما هو نهي تنزيه ، لأنّه لو لم يقل ذلك لما أثم بلا خلاف ، وإنّما هو نهي تحريم فيما يتعلّق بالقبح ، فإنّه لا يجوز أن يقول : انّي أفعل ذلك بحال ( 2 ) . والآية تضمّنت أن لا يقول الإنسان إنّي أفعل غداً شيئاً إلاّ أن يشاء الله ، فأما أن يعزم عليه من غير ذكر ذلك ، فلا يلزم المشيئة فيه إلاّ ندباً ( 3 ) . قال ابن عباس : له أن يستثني ولو إلى سنة ( 4 ) . والّذي نقوله : انّ الاستثناء متى لم يكن متصلاً بالكلام أو في حكم المتصل ، لم يكن له تعلّق بالأوّل ولا حكم له ، وأنّه يجوز دخول الاستثناء بمشيئة الله في جميع أنواع الكلام من الأمر والنهي والخبر والأيمان وغير ذلك ، ومتى استثنى ثم خالف لم يكن حانثاً في يمينه ولا كاذباً في خبره ، ومتى هو استثناه بعد مدّة وبعد انفصال الكلام لم يبطل ذلك حنثه ولزمته الكفارة ( 5 ) . ولو لم نقل ذلك أدّى إلى أن لا يصحّ يمين ولا خبر ولا عقد ، فإنّ الإنسان متى شاء استثنى في كلامه ويبطل حكم كلامه ( 6 ) .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 238
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٢٣٨
هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - نفس المصدر .
( 3 ) - نفس المصدر .
( 4 ) - قارن 7 : 28 ، وخبر ابن عباس في المحلى لابن حزم 8 : 46 ، وأحكام القرآن لابن العربي 2 : 641 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 : 273 وغيرها .
( 5 ) - قارن 7 : 29 .
( 6 ) - نفس المصدر .