والجواب الثالث : أنّه سأل العلم الضروري الّذي يحصل في الآخرة ولا يكون في الدنيا ، لتزول عنه الخواطر والشبهات ( 1 ) . وللأنبياء أن يسألوا ما يزول عنهم معه الوساوس والخطرات ، كما سأل إبراهيم ربه ، فقال : * ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ) * ( 2 ) . وقوله : * ( لَنْ تَرَانِي ) * جواب من الله تعالى لموسى ، أنّه لا يراه على الوجه الّذي سأله ، وذلك دليل على أنّه لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، لأنّ * ( لَنْ ) * تنفي على وجه التأبيد ، كما قال : * ( وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ) * ( 3 ) . وهذا إنّما يمكن أن يعتمده من قال بالجواب الأول ، فأما من قال : انّه سأل العلم الضروري لا يمكنه أن يعتمده ، لأنّ ذلك يحصل في الآخرة ( 4 ) . وقوله : * ( فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) * معناه إن استقر الجبل في حال ما جعله دكاً متقطعاً فسوف تراني ، فلما كان ذلك محالاً ، لأنّ الشيء لا يكون متحركاً ساكناً في حال واحدة كانت الرؤية المتعلّقة بذلك محالة ، لأنّه لا تعلّق بالمحال إلا المحال ( 5 ) . وقوله : * ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) * معناه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل بأن جعله دكاً ( 6 ) .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 18
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٨
هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - قارن 4 : 568 ، والآية في سورة البقرة : 260 .
( 3 ) - قارن 4 : 569 ، والآية في سورة الجمعة : 7 .
( 4 ) - قارن 4 : 569 .
( 5 ) - نفس المصدر .
( 6 ) - نفس المصدر .