وكذلك قوله : * ( يَوْمُ لا يَنطِقُونَ ) * أي لا ينطقون بحجة ، وإنّما يتكلّمون بالإقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضاً وطرح بعضهم على بعض الذنوب ( 1 ) . فأمّا التكلّم بحجة فلا ، وهذا كما يقول القائل لمن يخاطب بخطاب كثير فارغ من الحجة : ما تكلّمت بشيء ، فسمّي من يتكلّم بما لا حجة فيه غير متكلّم كما قال : * ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) * وهم كانوا يبصرون ويسمعون ( 2 ) . وقال بعضهم : انّ ذلك اليوم يوم طويل له مواضع ومواطن ، ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام ، وفي بعضها يطلق لهم ذلك ، بدلالة قوله : * ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ ) * وكلاهما حسن ، والأوّل أحسن ( 3 ) . فصل قوله : * ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ { 107 } ) * الآية : 107 . الخلود : الكون في الأمر أبداً ، والدوام : البقاء أبداً ، ولهذا يوصف تعالى بأنّه دائم ولا يوصف بأنّه خالد ( 4 ) .
وقوله : * ( إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ) * اختلفوا في هذا الاستثناء على عدّة أقوال ، فالذي نختاره ويليق بمذهبنا في الإرجاء انّ الله تعالى أخبر أنّ الأشقياء المستحقين للعقاب يحصلون في النار ( 5 ) .