وركب يوم الجمعة الخامس عشر صفر ليلقى الحاج ، وكان ذلك آخر ركوبه . ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً ، غشيته الحمى في أثناء الليل ، ولم يظهر ذلك للناس وأثرها ظاهر عليه ، ثم أخذ المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح للسابع والعشرين من شهر صفر من السنة المذكورة في أول ترجمته . وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين ، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة عظيمة ، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير . ولما أخرج تابوته ارتفعت الأصوات عند مشاهدته ، وعظم الضجيج ، وأخذ الناس في البكاء والعويل ، وصلوا عليه إرسالاً ، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان ، ودفن في الصفة الغربية منها على ما ذكره بعض المؤرخين وذكر بعضهم أنه بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق ، فنقل إليها في يوم عاشوراء - كان يوم الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام .
ثم انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنها وكأنهم أحلام
تغمده الله تعالى برحمته ، كان من محاسن الدنيا وغرائبها . ومن مصالح الأمور الدينية ، ودفع نوائبها ، وذكر بعضهم أنه لم يخلف في خزائنه ذهباً ولا فضة سوى سبعة وأربعين درهماً مصرية وخرصاً واحداً من الذهب صورياً ، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا مزرعة ولا بستاناً .
وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى والد الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها رسالة بديعة مشتملة على معان رفيعة مع الإيجاز الفائق والنطق الرائق ، في حالة يذهل فيها الإنسان عن نفسه ، والخطب الذي صير الضرغام في رمسه ، وهي : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف - في الساعة المذكورة ، وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً ، وقد حفرت الدموع المحاجر ، وبلغت القلوب الخناجر ، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده ، وقد قبلت وجهه عني وعنك ، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضياً عن الله تعالى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لا يدفع البلاء ولا يملك رد القضاء . ويدمع العين ويخشع القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون . وأما الوصايا فما يحتاج إليها ، والآراء فقد شغلني المصاب عنها ، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 350
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٥٠