تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
أعايش ؛ لولا أنني كنت طاوياً * ثلاثاً لألقيت ابن أختك هالكا غداة ينادي والرماح تنوشه * بآخر صوت اقتلوني ومالكا فنجاه مني أكله وشبابه * وخلوة جوف لم يكن متماسكا وقيل إن عائشة رضي الله تعالى عنها أعطت البشارة على سلامة ابن الزبير من الأشتر عشرة آلاف درهم ، وان ابن الزبير قال : لاقيت الأشتر النخعي ، وما ضربته ضربة إلا ضربني ستاً أو سبعاً . والله أعلم . رجعنا إلى ما كنا فيه . ثم إن الفرنج جاءتهم الأمداد من البحر ، واستظهروا على المسلمين بعكا ، فضاق المسلمون من ذلك ، وعزموا على صلح الفرنج بأن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار وخمس مائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم ، ويخرجوا بأنفسهم وما معهم سالمين من الأموال والأقمشة مختصة بهم ، وذراريهم ونسائهم ، وكتبوا بذلك كتباً فلما علم السلطان أنكره إنكاراً عظيماً ، وعظم عليه هذا الأمر وعزم على أن يكتب إليهم في الإنكار عليهم المصالحة على هذا الوجه ، وبقي متردداً في هذا ، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد ، وصاح الفرنج صيحة واحدة ، وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حربهم ، ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب . وذكر بعضهم أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها ، وساروا على الساحل - والسلطان وعساكره قبالتهم ، وكان بينهم قتال عظيم ، ونال المسلمين منه وهن شديد - فاستشار السلطان أرباب مشورته في خراب عسقلان خوفاً من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة ، ويأخذ بها القدس ، وينقطع بها طريق مصر ، فاتفق رأيهم على ذلك ، فشرع في خرابها ، فلحق الناس من خرابها حزن عظيم ، واشتد على أهل البلد ذلك ، وعظم فراق أوطانهم ، وشرعوا في بيع ما لا يقدورن على حمله ، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم ، وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد ، واختبط البلد وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم ، وتشتتوا ، فذهب بعضهم إلى مصر وبعضهم إلى الشام وجرت عليهم أمور عظيمة . ثم وصل خبر من جانب الملك العادل أن الفرنج قد تحدثوا معه في الصلح ، وطلبوا جميع البلاد الساحلية ، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم ما في النفوس من الضجر ، وكثرة ما هم عليهم من الديون . وكتب إليه بالإذن بذلك وتفويض الأمر إلى رأيه ، وحث الناس على العجلة في الخراب المذكور خوفاً من هجوم الفرنج ، وأمر بإحراق البلد ، فأضرمت النيران في بيوته ، وكان سورها عظيماً ، ولم يزل الحريق يعمل في البلد من عشرين
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 348 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي