شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه ، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه ، فلم يعشر به إلا وهو قائم على باب خيمته ، فأذن له في دخوله إليه ، وأكرمه واحترمه ، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم ، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث ، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان ، وأكل معه الطعام وخلابه ، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته ، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب ، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق ، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله ، وشروط غير ذلك ، فأجابه إلى مرامه . وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر بتسليم الشوبك ، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه ، وسلموه بالأمان . ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة ، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها ، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة ، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها ، ثم استدعى العسكر من كل ناحية ، ثم تكاثر الفرنج ، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا ، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج ، فضاق صدر السلطان لذلك ، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة ، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق ، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق ، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا ، فأشرف على أمورها ، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام ، ثم جرت وقعات لا حاجة للتطويل بذكرها ، وقيل للسلطان : إن الوخم قد عظم بمرج عكا ، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين ، فأنشده :
اقتلاني ومالكاً * وإقتلا مالكاً معي
يريد بذلك أنه قد رضي أن أتلف إذا أتلف الله أعداءه . قيل : وهذا البيت له سبب ، وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي تماسك هو وعبد الله بن الزبير يوم الجمل ، وكل واحد منهما من الأبطال المشهورين ، وكان ابن الزبير مع خالته عائشة - رضي الله تعالى عنها - والأشتر مع علي - رضي الله عنه - وكان كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته ، وفعلا ذلك مراراً وابن الزبير ينشد البيت المذكور ، وقيل إن الأشتر دخل على عائشة - رضي الله تعالى عنها - بعد وقعة الجمل فقالت : يا أشتر ، أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة . فأنشدها :
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 347
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٤٧