في شعبان إلى سلخه ، وأمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه . قال بعض الرواة : ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه للإحراق ، ثم خرج إلى اللد وأمر بإخرابها وإخراب القلعة التي بالرمل ، ففعل ذلك ، والتمس بعض أكابر ملوك الفرنج أن يجتمع بالسلطان صلاح الدين بعدما اجتمع بأخيه الملك العادل ، فاستشار صلاح الدين أصحابه من أكابر دولته في ذلك ، فوقع الاتفاق على أن ذلك يكون بعد الصلح ، ثم قال السلطان صلاح الدين : متى صالحنا هم لم نأمن غائلتهم ، ولو حدث لي حادث الموت كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى على الفرنج ، والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل ، أو يأتينا الموت . ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح ، وجرت وقعات كثيرة ، ثم وقع الصلح بينهم ، ثم أعطى العساكر الواردة عليه المنحدرة من البلاد البعيدة الدستور ، فساروا عنه ، وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة ، وتردد المسلمون إلى بلاد الفرنج ، وجاؤوهم إلى بلاد المسلمين ، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلدان ، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس ، وتوجه السلطان إلى القدس ، وأخوه الملك العادل إلى الكرك وابنه الملك الظاهر إلى حلب ، وابنه الملك الأفضل إلى دمشق ، وأقام هو في القدس يقطع الناس ويعطيهم دستوراً ، ويتأهب إلى المسير إلى الديار المصرية وانقطع عزمه عن الحج ، ثم قوي عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويتفقد القلاع ويدخل دمشق ويقيم بها أياماً ، ويعود إلى القدس ومنه إلى الديار المصرية . وقال ابن خلكان : قال شيخنا ابن شداد : وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه به وتكميل المدرسة التي أنشأها ، فلما فرغ من افتقاده أحوال القلاع دخل دمشق وفيها أولاده : الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر مظفر الدين وأولاده الصغار ، وجلس للناس يوم الخميس السابع والعشرين من شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة ، وحضروا عنده وبلوا شوقهم منه ، وأنشد الشعراء فلم يتخلف منه أحد من الخاص والعام ، وأقام بنشر جناح عدله وبهطل سحاب إنعامه وفضله ، ويكشف عن مظالم الرعاياء . عمل الملك
الأفضل دعوة للملك الظاهر أظهر فيها من الهمم المالية ما يليق بهمته ، وسأل السلطان الحضور فحضر عند الغلبة ، وكان يوماً مشهوداً . وسار الملك العادل فوصل إلى دمشق ، فخرج السلطان إلى لقائه ، وأقام يتصيده وأخوه وأولاده ، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الظباء - وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه - ونسي عزمه إلى مصر ،
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 349
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٤٩