وقاربوا البلد ، وزحفوا واشتد القتال وباعثوها ، وصعد المسلمون سورها ، وأخذوها بالسيف ، وغنموا
جميع من بها وما فيها ، وأحرقوا البلد . ثم سار يريد جبل ، فما استتم نزول العسكر حتى أخذوها ، وقوتل في القلعة قتالاً شديداً ، ثم سلمت بالأمان . ثم لم يزل يأخذ بلداً بعد بلد ، وقلعة بعد قلعة ، ويقتل ويأسر ويغنم حتى بلغ إلى برزية - وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الفرنج ، تحيط بها أودية من جميع جوانبها ، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعاً ، فأخذها عنوة ، ثم كذلك بلداً بعد بلد حتى قرب من أنطاكية ، فراسله أهلها في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر ، وكان الصلح معهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم ، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد . ثم رحل السلطان ، فسأله ولده الملك الظاهر - صاحب حلب - أن يجتاز به ، فأجابه إلى ذلك ، فوصل حلب وأقام بالقلعة ثلاثة أيام - وولده يقوم بالضيافة حق القيام - ثم سار من حلب فاعترضه تقي الدين - ابن أخيه - وأصعده إلى قلعة حماة ، وصنع له طعاماً ، وأحضر له سماعاً من جنى سماع الصوفية ، وبات ليلة واحدة ، وأعطاه جبلة وبلدة أخرى ، ثم سار على طريق بعلبك ، ودخل دمشق وأقام بها أياماً ، ثم سار يريد صف ، فنزل عليها ، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان ، ثم سلمت له الكرك ، ثم سار إلى كوك ، وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة - والأمطار متواترة ، والوحول متضاعفة ، والرياح عاصفة ، والعدو متسلط لعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان ، فأجابهم إليه وتسلمها منهم . ثم نزل إلى الغور ، وأقام بالمخيم مدة الأيام ، وأعطى الجماعة دستوراً ، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه في توجهه إلى مصر ، فدخل القدس ، وصلى بها عيد الأضحى ، وتوجه إلى عسقلان لينظر في أمورها ، وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك ، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها ، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها ، وأمر بعمارة سورها ، ثم سار إلى دمشق فأقام بها شهر ربيع الأول ثم خرج إلى
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 346
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٤٦