تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
المنيفة ، والقدم الراسخ في التصريف الناقد ، والباع الطويل في أحكام الولاية ، خرق الله على يديه العوائد ، وقلب له الأعيان ، وأظهر العجائب ، فله مجلس القرب في الحضرة الشريفة ، ورفيع المقام والقبول العظيم عند الخاص والعام ، عطرت بذكره الآفاق والأقطار ، ولاح منه نور الفلاح ، واستطار صيته في الوجود استطارة النار بالرياح . قلت : ومن كراماته ما روى ابن أخته الشيخ الجليل أبو الحسن علي قال : كنت يوماً جالساً عند باب خلوة خالي الشيخ أحمد رضي الله تعالى عنه ، وليس فيها غيره ، وسمعت عنده حساً ، فنظرت فإذا عنده رجل ما رأيته قبل ، فتحدثا طويلاً ، ثم خرج الرجل من كوة في حائط الخلوة ومر في الهوى كالبرق الخاطف ، فدخلت على خالي وقلت له : من الرجل ؟ فقال له : أو رأيته ؟ . قلت : نعم ، قال : هو الرجل الذي يحفظ الله - عز وجل - به قطر البحر المحيط ، وهو أحد الأربعة الخواص ، إلا أنه هجر منذ ثلاث وهو لا يعلم . فقلت له : يا سيدي ؛ ما سبب هجره ؟ قال : إنه مقيم بجزيرة في البحر المحيط ، ومنذ ثلاث ليال أمطرت جزيرته حتى سالت أوديتها ، فخطر في نفسه : لو كان هذا المطر في العمران ، ثم استغفر الله تعالى ، فهجر بسبب اعتراضه . فقلت له : أعلمته ؟ قال : لا ، إني استحييت منه ، فقلت له : لو أذنت لي لأعلمته ، فقال : أو تفعل ذلك ؟ قلت : نعم ، فقال : رنق ، فرنقت ، ثم سمعت صوتاً : يا علي ، ارفع رأسك ، فرفعت رأسي من رنقي ، فإذا أنا بجزيرة في البحر المحيط فتحيرت في أمري ، وقمت أمشي فيها فإذا بذلك الرجل ، فسلمت عليه وأخبرته ، فقال : ناشدتك الله ألا فعلت ما أقول لك ، قلت : نعم ، قال : ضع خرقتي في عنقي ، واسحبني على وجهي ، وناد علي ، هذا جزاء من تعرض على الله سبحانه . قال : فوضعت الخرقة في عنقه وهممت بسحبه ، وإذا هاتف يقول : يا علي ، دعه فقد ضجت عليه ملائكة السماء باكية عليه وسائلة فيه ، وقد رضي عنه . قال : فأغمي علي ساعة ، ثم سري عني وإذا أنا بين يدي خالي في خلوته . والله ما أدري كيف ذهبت ولا كيف جئت . قلت وقد اقتصرت على ما يسمع من كراماته في هذه القضية الفردة من بين ما لا يحصى ، ولا يستطيع من رام ذلك عده . قال الإمام ابن خلكان : كان شافعي المذهب ، أصله من العرب وسكن في البطائح في قرية يقال لها : أم عبيدة ، وانضم إليه خلق عظيم ، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه . والطائفة المعروفة بالبطائحية والرفاعية من الفقراء منسوبة إليه . قال : ولأتباعه أحوال عجيبة في الحيات والنزول في التنانير وهي تضطرم بالنار فيطفئونها ، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود ، ومثل هذا وأشباهه ، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى ، ويقومون بكفاية الكل منهم ، وأمورهم مشهورة مستفيضة ، فلا حاجة إلى الإطالة . وذكر أصحابه وأتباعه ذكراً جميلاً يدل على حسن اعتقاده في الفقراء من