موعظة هذا الرجل ، ثم تسيء إليه في مجلس واحد ، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه ! ! ، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس ، واستهون أمره ، وصرفه ، وسأله الدعاء . وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه ، فقيل له : نراك تأدبت مع الملك ؟ ! فقال : أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره . فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم : لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب ، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا ، فينا لنا منه مكروه ، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله ، فنقصد المرور به ، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه ، وأخبره محمد خبرهم ، وأطلعه على مقصدهم ، وما جرى لهم عند الملك ، فقال عبد الحق : هذا الموضع لا يحميكم ، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني ، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل ، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم . فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر ، فقصده مع أصحابه ، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة ، فعلموا أنهم طلاب العلم ، فقاموا إليهم ، وأكرموهم ، وتلقوهم بالترحاب ، وأكرموهم في أكرم منازلهم . وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه ، فقيل له : إنهم سافروا ، فسره ذلك وقال : تخلصنا من الإثم بحسبهم . ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق ، وتبركوا بزيارته ، وكان كل من أتاه استدناه ، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك ، فإن أجابه أضافه إلى خواصه ، وإن خالقه أعرض عنه ، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة ، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 181
مساهمون: خليل المنصور
ص١٨١