في الصورة ، لم يحتج بقوله تعالى " لستن كأحد من النساء أن اتقيتن " - الأحزاب 32 - ، أي في الحرمة . وفيها توفي محمد بن عبد الله بن تومرت - بضم المثناة من فوق وفتح الميم وسكون الراء والمثناة في آخره المصمودي البربري الهرغي ، بفتح الهاء وسكون الراء بعدها غين معجمة ، نسبة إلى هرغة : وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب ، ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهما - الملقب بالمهدي ، رحل إلى المشرق ، ولقي الإمام أبا حامد الغزالي وطائفة ، وحصل فنوناً من العلم والأصول والكلام والحديث ، وحج وأقام بمكة مدة مديدة ، وكان رجلاً ورعاً ساكناً ناسكاً زاهداً متقشفاً ، شجاعاً جلداً عاقلاً ، عميق الفكر بعيد الغور ، فصيحاً ، مهيباً لذاته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب ، نشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شيعته طالباً للعلم ، فانتهى إلى العراق ، وكان كثيراً ظرافاً بساماً في وجوه الناس ، مقبلاً على العبادة ، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركو ، وكان متحملاً للأذى من الناس ، وناله بمكة شيء من المكروه ، فخرج منها إلى مصر ، وبالغ في الإنكار ، فزادوا في أذاه ، وطردته الدولة - وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون - فخرج من مصر إلى الإسكندرية ، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده ، وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد الشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين ، فلما ركب في السفينة شرع في تغيير المنكر جميعه على أهل السفينة ، وألزمهم إقامة الصلاة وقراءة الأحزاب من القرآن ، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية - إحدى مدن إفريقية - وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز الصبهاجي ، وذلك في سنة خمس وخمس مائة على ما ذكر في تاريخ القيروان . وذكر غيره أنه اجتاز في رجوعه من العراق بإفريقية أيام ولاية الأمير تميم والد يحيى المذكور والله أعلم بالصواب . ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد مغلق وهو على الطريق ، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة ، فلا يرى منكراً من عادة الملاهي أو أواني الخمور ، إلا نزل إليها وكسرها ، وتسامع الناس به في البلاد ، فجأووا إليه ، وقرؤوا عليه كتباً من أصول الدين ، وبلغ خبره الأمير ، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء .
فلما رأى سمته ، وسمع كلامه أكرمه ، وأجله وسأله الدعاء ، فقال له : أصلحك الله
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 178
مساهمون: خليل المنصور
ص١٧٨