اتباعه ، ويخوفونهم من سطوة الملك ، فكان لا يتم له مع ذلك حال . وطالت المدة ، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل ، وخشي أن يطرأ علي الاجتراء على الملك : - أيها الملك ؛ إن عندي لنصيحة ، إن قبلتها حمدت عاقبتها ، وإن تركتها لم تأمن غائلتها ، فقال الملك : ما هي ؟ قال : إني خائف عليك من هذا الرجل ، وأرى أنك تعتقله وأصحابه ، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره ، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها ، ثم لا ينفعك ذلك . فوافقه الملك ، فقال وزيره : يقبح بك أن تبكي من موعظة هذا الرجل ، ثم تسيء إليه في مجلس واحد ، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه ! ! ، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس ، واستهون أمره ، وصرفه ، وسأله الدعاء . وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه ، فقيل له : نراك تأدبت مع الملك ؟ ! فقال : أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره . فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم : لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب ، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا ، فينا لنا منه مكروه ، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله ، فنقصد المرور به ، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه ، وأخبره محمد خبرهم ، وأطلعه على مقصدهم ، وما جرى لهم عند الملك ، فقال عبد الحق : هذا الموضع لا يحميكم ، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني ، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل ، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم . فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر ، فقصده مع أصحابه ، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة ، فعلموا أنهم طلاب العلم ، فقاموا إليهم ، وأكرموهم ، وتلقوهم بالترحاب ، وأكرموهم في أكرم منازلهم . وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه ، فقيل له : إنهم سافروا ، فسره ذلك وقال : تخلصنا من الإثم بحسبهم . ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق ، وتبركوا بزيارته ، وكان كل من أتاه استدناه ، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك ، فإن أجابه أضافه إلى خواصه ، وإن خالقه أعرض عنه ، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة ، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من اتباعه ، ويخوفونهم من سطوة الملك ، فكان لا يتم له مع ذلك حال . وطالت المدة ، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل ، وخشي أن يطرأ على
أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليهم والتخلي عنه ، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليبغضوا على الملك بسببه ، فرأى بعض أولاد القوم شقراً زرقاً ، وألوان آبائهم السمرة والكحل ، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه ، فألزمهم الإجابة فقالوا : نحن من رعية هذا الملك ، وله علينا خراج في كل سنة ، يصعد مماليكه إلينا ، وينزلون في بيوتنا ، ويخرجوننا عنها ، ويستحلون من فيها من النسوان ، فيأتي الأولاد على هذه الصفة ، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا . قال محمد : والله إن الموت خير من هذه الحياة ، وكيف رضيتم بهذا - وأنتم أضرب خلق الله بالسيف ، وأطعنهم بالحربة ؟ ! - فقالوا : بالرغم لا بالرضى . فقال : أرأيتم لو أن ناصراً نصركم على أعدائكم ، ما كنتم تصنعون ؟ قالوا كنا نقدم أنفسنا بين يديه بالموت ، قالوا : ومن هو ؟ قال : ضيفكم . يعني : نفسه ، فقالوا : السمع والطاعة . وكانوا يغالون في تعظيمه ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق ، واطمأن قلبه . ثم قال لهم : استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح ، فإذا جاءكم فأجروهم على عوائدهم ، وخلوا بينهم وبين النساء ، وميلوا عليهم بالخمور ، فإذا سكروا فاذنوني بهم . فلما حضر المماليك ، وفعل معهم أهل الجبل ما أشار به - وكان ليلاً - أعلموه بذلك ، فأمر بقتلهم بأسرهم ، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم ، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة ، وسمع النكبة عليهم والوقع بهم ، فهرب من غير الطريق حتى خلص من الجبل ، ولحق بمراكش ، وأخبر الملك بما جرى ، فندم الملك على فوات محمد من يده ، وعلم أن الحزم كان مع ملك بن وهيب بما أشار به ، فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع ذلك الوادي ، فإنه ضيق المسلك ، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم ، فأمر أهل الجبل بالقعود على أبواب الوادي ، وراصده ، واستنجد لهم بعض المجاورين ، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانب الوادي مثل المطر - وكان ذلك من أول النهار إلى آخره - وحال بينهم الليل ، ورجع العسكر إلى الملك فأخبروه بما نزل بهم ، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم ، فأعرض عنهم ، وتحقق محمد ذلك منه ، وصفا له مودة أهل الجبل ، فعند ذلك استدعى الونشريشي المذكور وقال له : هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة لتقوم المعجزة ، لتستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة . ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح ، ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 182
مساهمون: خليل المنصور
ص١٨٢