تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
تلك المدة : - إني رأيت البارحة في منامي : وقد نزل ملكان من السماء ، وشقا فؤادي ، وغلاه وحشياه علماً وحكمة وقرآناً ، فلما أصبح قال ذلك - وهو فصل يطول شرحه - فاتفق أنه انقاد له كل صعب القياد ، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم ، فقال له محمد : فعجل لنا بالبشرى في أنفسنا ، وعرفنا : أسعداء نحن أم أشقياء ؟ فقال له : أما أنت ؛ فإنك المهدي القائم بأمر الله ، ومن معك سعد ، ومن خالفك هلك ، ثم قال : أعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار ، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد ، وأبقى من أطاعه - وشرح ذلك يطول - وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد . فلما قتل من قتل علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا ، وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك ، فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم ، واغتنامهم أموالهم ، فسرهم ذلك ، وسلاهم عن أهلهم . وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة طويل ، وخلاصة الأمر أن محمداً لم يزل حتى جهز جيشاً عدد رجاله عشرة آلاف - ما بين فارس وراجل - وفيهم عبد المؤمن والونشريشي وأصحابه كلهم ، وأقام هو بالجبل ، فنزل القوم لحصار مراكش ، وأقاموا عليها شهراً ثم كسروا كسرة شنيعة ، وهرب من سلم من القتل ، وكان فيمن سلم عبد المؤمن ، وقتل الونثسريشي ، وبلغ محمداً الخبر - وهو بالجبل - وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه ، فأوصى من حضر أن يبلغ الغائبين أن النصر بهم والعاقبة حميدة ، فلا يضجروا ، وليعتادوا القتال ، وأن الله سيفتح على أيديهم - والحرب سجال - وإنكم ستقومون ويضعفون ، وسيفتح لكم وتكثرون ويقفون ، وأنتم في مبدأ أمروهم في آخره - ومثل هذه الوصايا وأشباهها ، وهي وصية طويلة . ثم إنه توفي رحمة الله تعالى في السنة المذكورة ، ودفن في الجبل ، وقبره هناك مشهور يزار . وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربع مائة ، وأول دعائه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمس مائة ، وكان رجلاً ربعة قصيراً أسمر عظيم الهامة حاد النظر . قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه : آثاره تنبئك عن أخباره ، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهمة في الثريا ، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا . وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت ، ولم ينتقل عن