ثم إن محمداً استدعى أشخاصاً من أهل المغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً ، وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار ، فاجتمع له منهم ستة سوى الونشريشي ، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب ، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك ، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش - وسلطانها يومئذ علي بن يوسف بن سفيان وكان ملكاً عظيماً حليماً ورعاً عادلاً متواضعاً ، وكان بحضرته رجل يقال له ملك بن وهيب الأندلسي - وكان عالماً صالحاً ، وشرع محمد في الإنكار على جاري عادته ، حتى أنكر على ابنه الملك - وله في ذلك قصة يطول شرحها فبلغ خبره الملك ، وأنه يحدث في تغير الدولة فتحدث ملك بن وهيب في أمره وقال : تخاف من فتح باب يعسر علينا سده ، والرأي أن تحضر هذا الشخص وأصحابه ليسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد ، أجاب الملك ، إلى ذلك - وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد - وطلبوهم ، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده : سلوا هذا الرجل ما يبغي منا ، فانتدب له قاضي المرورية واسمه محمد بن اسود - فقال : ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق ، المؤثر طاعة الله - عز وجل - على هواه ؟ فقال محمد : أما ما نقل عني فقد قلته ، ولي من ورائه أقوال ، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله عز وجل على هواه ، وينقاد إلى الحق فقد ظهر صحة اعتبار هذا القول عنه ، لتعلم ، بتعريته عن هذه الصفة أنه مغرور بما يقولون له ، وتطرونه به مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة - فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهاراً ، وأن الخنازير تمشي بين المسلمين ، وتؤخذ أموال اليتامى ؟ - وعد من ذلك شيئاً كثيراً . فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه ، وأطرق حياء ، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه . ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه ، لم يتكلم أحد منهم ، فقال ملك بن وهيب - وكان
كثير الاجتراء على الملك : - أيها الملك ؛ إن عندي لنصيحة ، إن قبلتها حمدت عاقبتها ، وإن تركتها لم تأمن غائلتها ، فقال الملك : ما هي ؟ قال : إني خائف عليك من هذا الرجل ، وأرى أنك تعتقله وأصحابه ، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره ، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها ، ثم لا ينفعك ذلك . فوافقه الملك ، فقال وزيره : يقبح بك أن تبكي من
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 180
مساهمون: خليل المنصور
ص١٨٠