تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
تعالى لرعيتك ، ولم يقم بعد ذلك في المهدية إلا أياماً يسيرة ، ثم انتقل إلى بجاية ، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار ، فأخرج منها إلى بعض قراها ، واسمها ملال ، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي . وذكروا في بعض تواريخ المغرب عن سيرة ملوكه أن محمد بن تومرت كان قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجف : بفتح الجيم وسكون الفاء وفي آخره راء - وسيأتي إيضاح الجفر المذكور إن شاء الله تعالى في سنة ثمان وخمسين - وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس من ذرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله عز وجل ، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى بترمذ - وسيأتي ضبط حروفه بعد إن شاء الله تعالى - ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه ، هجاء اسمه ع ب د م وم ن ، وتجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة ، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأول الأمر ، وأن أوانه قد أزف ، فما كان يمر بموضع إلا سأل عنه ، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته - وكانت حلية عبد المؤمن معه - فبينا هو في الطريق ، إذ رأى شاباً قد بلغ أشده على الصفة التي منه ، فقال له وقد تجاوزه : ما اسمك يا شاب ؟ فقال : عبد المؤمن ، فرجع إليه وقال : الله أكبر ، أنت بغيتي ، فنظر في حليته ، فوافقت ما عنده ، فقال له : ممن أنت ؟ فقال : من كومية - بضم الكاف وسكون الواو وكسر الميم وفتح المثناة من تحت - قبيلة ، فقال : أين مقصدك ؟ فقال : الشرق ، فقال : ما تبغي من الشرق ؟ قال : أطلب علماً ، قال : فقد وجدت علماً وشرفاً وذكراً ، اصحبني تنله ، فوافقه على ذلك ، فألقى محمد إليه أمره ، وأودعه سره . وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريشي بالنون بعد الواو ثم الشين المعجمة مكررة قبل الراء والمثناة من تحت وبعدهما - ففاوضه فيما عزم عليه من القيام فوافقه على ذلك أتم الموافقة . وكان الونشريشي ممن تهذب وقرأ فقهاً ، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغرب ، فتحدثاً يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب ، فقال محمد لعبد الله : أترى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس ، وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس ، ليتخذ الخروج واكتساب العلم دفعة واحدة ، ليقوم لك ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه ، فتصدق فيما تقوله . ففعل عبد الله ذلك .