هذا حين كثرت عليه الدنيا ، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه ، فأحرقه وقال : من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى ، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى ، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً ، منيع الحجاب إلا عند مظلمة ، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه ، وكان له شعر ومن ذلك : قصيراً أسمر عظيم الهامة حاد النظر . قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه : آثاره تنبئك عن أخباره ، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهمة في الثريا ، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا . وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت ، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا ، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه ، فأحرقه وقال : من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى ، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى ، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً ، منيع الحجاب إلا عند مظلمة ، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه ، وكان له شعر ومن ذلك :
أخذت بأعضادهم إذ نأوا * وخلفك القوم إذ ودعوا
فكم أنت تنهي ولا تنتهي * وتسمع وعظاً ولا تسمع
فيا حجر الشجر حتى متى * تسد الحديد ولا تقطع
وكان كثيراً ما ينشد :
تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
ولم يفتتح شيئاً من البلاد ، وإنما قرر القواعد ومهدها ورتبها ، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما سيأتي في ترجمته - أن أول ما أخذ تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة ثم مراكش ، واستوثق له الأمر ، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس . ومما ذكر بعض المؤرخين أنه ادعى الإمامة وأنه معصوم ، قال : وكان على طريقة مثلي لا تنكر معه العظمة ، وقيل : كان حاذقاً في ضرب الرمل ، وقيل : اتفق لعبد المؤمن أنه كان قد رأى أنه جمل في صحفة مع ابن تاشفين ، ثم اختطف الصحفة منه ، فقال له المعبر هذه الرؤيا : لا ينبغي أن تكون ذلك ، بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين ، ثم يغلب على الأمر . وذكر أنه بعدما انكسرت المصادمة انتصرت مرة أخرى ، ثم استنجد أمرهم وأخذوا في شن ألغارات في بلاد ابن تاشفين ، وكثر الداخلون في دعوتهم . وكان ابن تومرت لم يزل على لون واحد من الزهد والتقلل والعبادة وإقامة السنن والشعائر . قال : غير أنه أفسد بالدعاء - كونه المهدي - وبسرعته في الدعاء ، وكان ربما كاشف أصحابه ، ووعدهم بأمور فيوافق ، وكان طويل الصمت حسن الخشوع والسمت رحمه الله تعالى .
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 184
مساهمون: خليل المنصور
ص١٨٤