تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وقال : وقفت عليه في بعض شروح المقامات ، وهو مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كلكم حارث وكلكم همام ، فالحارث : الكاسب ، والهمام : كثير الاهتمام ، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام ، لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره . وقد اعتنى ، بشرحها خلق كثير ، فمنهم من طول ، ومنهم من اختصر ، قال ابن خلكان : ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة ، وحملها من البصرة إلى بغداد ، فادعاها فلم يصدقه من أدباء بغداد ، وقالوا إنها ليست من تصنيفه ، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ، ووقعت أوراقه إليه فادعاها ، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته فقال : أنا رجل منشىء ، فاقترح عليه إنشاء الرسالة في واقعة عينها ، فانفرد في ناحية عن الديوان ، وأخذ الدواة والورقة ، ومكث زماناً كثيراً فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك ، فقام وهو خجلان ، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم بن أفلح الشاعر ، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح هذين البيتين ، وقيل إنهما لابن محمد الحريمي البغدادي الشاعر المشهور : شيخ لنا من ربيعة الفرس * ينتف عثنوته من الهوس أنطقه الله بالمشان كما * رماه وسط الديوان بالخرس وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس ، وكان مولعاً ينتف لحيته عند الفكرة ، وكان يسكن في مشان البصرة ، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر ، وسيرهن واعتذر من عيه وحصره بالديوان بما لحقه من المهابة ، وللحريري تأليف حسان منها : درة الغواص في أوهام الخواص ومنها ملحة الإعراب ، منظومة في النحو والآداب ، وله أيضاً شرحها ، وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات ، ومن ذلك قوله : قال العواذل ما هذا الغرام به * أما ترى الشعر في خديه قد نبتا فقلت والله لو أن المفند لي * تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا ومن أقام بأرض وهي مجدبة * فكيف يرحل منها والربيع أتى وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيراً ، ويحكى أنه كان دميماً قبيح المنظر ، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئاً من شعره ، فلما رآه استزرى شكله ، ففهم الحريري ذلك منه ، فلما التمس أن يملي عليه قال : اكتب .