تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وأبو محمد الحرير : صاحب المقامات ، القاسم بن علي بن محمد البصري الأديب ، حامل لواء البراعة وفارس النظم والنثر ، ونسجهما بظرافة الصناعة ، كان من رؤساء بلده ، روى الحديث عن أبي تمام محمد بن الحسين وغيره ، وعاش سبعين سنة ، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات ، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها ، حتى قال بعض الفضلاء : من عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته . وكان سبب وضعه لها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله قال : كان أبي جالساً في مسجد بني حرام ، فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر ، رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة ، فسألته الجماعة : من أين الشيخ ؟ فقال : من سروج ، فاستخبروه عن كنيته قال : أبو زيد ، فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية ، وهي الثامنة والأربعون ، وعزاها إلى أبي زيد المذكور ، واشتهرت ، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر القاشاني - بالقاف والشين المعجمة - وزير الإمام المسترشد بالله ، فلما وقف عليها أعجبته ، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها ، فأتمها خمسين مقامة . وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله : فأشار من إشارته حكم ، وطاعته غنم إلى أن أنشىء مقامات أتلو فيها تلو البديع ، وإن لم يدرك الظالع شيئاً والضليع . هكذا وجد في عدة تواريخ في نسخة من المقامات عليها خطه ، وقد كتب بخطه أيضاً على ظهرها أنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي المعز علي ابن صدقة وزير المسترشد ، قيل : وهذا أصح من الرواية الأولى ، لكونه بخط المصنف ، والله أعلم . وذكر القاضي أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني وزير حلب في كتابه المسمى أنباء الرواة على أبناء النجاة أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار ، وكان بصيرياً نحوياً لغوياً ، وصحب الحريري المذكور ، واشتغل عليه بالبصرة ، وتخرج به ، روى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد الميداني الواسطي ملحة الإعراب للحريري ، وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال : قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة ، فسمعنا منه ، وتوجه منها مصعداً إلى بغداد ، فوصلها ، وأقام مدة يسيرة وتوفي بها رحمه الله تعالى . وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه ، هكذا ذكر ابن خلكان