ما أنت أول سار غره قمر * ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل * مثل المعيدي فاسمع بي ولا تزني
فخجل الرجل منه وانصرف عنه . والمعيدي : بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون المثناة من تحت وبعدها دال مهملة مكسورة : رجل منسوب إلى معد بن عدنان ، وقد نسبوه بعدما صغروه وخففوا منه الدال ، وفيه جاء المثل المشهور : لأن تسمع بالمعيد خير من أن تراه ، وهذا المثل يضرب لمن له صيت وذكر ولا منظر له ، قال المفضل الضبي : أول من تكلم بهذا المثل المنذر بن ماء السماء قاله لمشقة بن ضمرة التميمي الدارمي ، وكان قد سمع بذكره ، فلما رآه قبحه ، فقال له هذا المثل ، وسار عنه ، فقال له شقة : أبيت اللعن إن الرجال ليسوا بحرزير مراد منها الأجسام ، إنما المرء بأصغريه ، قلبه ولسانه ، فأعجب المنذر بما رأى من عقله وبيانه ، ومن شعر الحريري قوله :
لا تزر من تحب في كل شهر * غير يوم ولا تزده عليه
فاضتياء الهلال في الشهر يوم * ثم لا تنظر العيون إليه
قلت : وقد عارضت بيتي الحريري اللذين أطلق فيهما الزيارة في كل شهر مرة تشبيهاً بالهلال ، بأبيات فصلت فيها بين المزورين المتفاوتين في الأحوال ، وأشرت إلى أن - بعضهم وهو أخصهم بالمودة والأنس - يزار كل يوم كالشمس ، وبعضهم ممن يليه في الود والدفعة في كل أسبوع كالجمعة ، وبعضهم ممن قل وده أو شق بعمه أو كان مع قرب الدار يؤثر قلة المزار وملاقاة الرجال في الشهر مرة كالهلال ، وبعضهم ممن نأت به البلاد وإن كان من أهل الصحبة والوداد - في السنة مرتين تشبيهاً بالعيدين ، كما يختلف بالقرب وبعد البلاد ويختلف بالقلة وكثرة الوداد ، فصلت بين الحالات المذكورات بهذه الأبيات :
لا تزرنا في الحمى كل عام * غير مثنى على مرور الدهور
هل ترى العيد زائراً كل عام * غير ثنتين عائداً بالسرور
أو دنت داره ففي كل يوم * فيه للشمس بهجة بالظهور
أو ترى بين قرب دار وبعد * زر كما زاره هلال الشهور
أو ترى قدر بعده دون هذا * بالجمع تلك ضاحكات الثغور
يجتلي حسنه بغر الليالي * أو يزهر قد اكتسى ثوب نور
إن تساووا محاسناً سار أولاً * فاوتن بالكواكب كالبدور
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 165
مساهمون: خليل المنصور
ص١٦٥