« الأول » - هو الأصل ، ثم اختلفوا في المراد من الأصل فقال بعضهم انه بمعنى الغلبة ، وفيه انه لا دليل على حجيته ، وقيل إنه بمعنى الظاهر ، وفيه ما لا يخفى لعدم الظهور مع فقد الصفات لو سلم الظهور معها ، وقيل بمعنى استصحاب عدم كونه من قرح أو عرق عافل أو غيرهما وفيه مع معارضته باستصحاب عدم الحيض يكون من الأصول المثبتة . وقيل إنه بمعنى أصالة الصحة لأن دم الاستحاضة انما يكون من اختلال المزاج وآفة كما في غيره من دم القرح وغيره ، فإنه لا يكون الا من علة بخلاف دم الحيض فإنه بمقتضى سلامة الطبع كما يظهر ذلك من الرياض ، وفيه ان الأمر وان كان كذلك ولكنه لا يصلح لإثبات كونه حيضا ، لأنه من اللوازم التي لا يصلح أصل الصحة لإثباتها .
نعم لا يبعد ان يقال : ان بناء العقلاء على إثبات مثل هذه اللوازم بأصالة الصحة وأصل السلامة كما حقق ذلك بعض الأساطين « قده » حيث قال : والذي يقتضيه التحقيق ويشهد به التتبع والتأمل في الاخبار وسيرة الناس في جميع الموارد هو ان كل احتمال ينافيه أصالة السلامة لا يلتفت إليه ، لأن أصل السلامة أصل معتبر معتمد عليه عند العقلاء كافة في جميع أمورهم معاشا ومعادا ، ومعلوم ان دم الحيض يقذفه الرحم بمقتضى طبعه ، واما الاستحاضة فلا تكون الا عن آفة فإن قلت : ان الدم تارة يكون دائرا بين ان يكون حيضا أو غير الاستحاضة من سائر الدماء ، وأخرى يكون دائرا بين الحيض والاستحاضة فقط ، فإن كان من قبيل الأول فلا يعتنى بسائر الاحتمالات فإنه لا يكون الا من علة وآفة غير عامة البلوى ، وأما ان كان من قبيل الثاني فيشكل جريان أصل السلامة بالنسبة إلى الآفات العامة البلوى لعدم كونه امرا مرجوحا ، خصوصا في مثل هذه الآفة التي لا تعد آفة في العرف والعادة .
مدارك العروة — صفحة 363
مساهمون: الشيخ يوسف الخراساني الحائري
ص٣٦٣