شرح
- الفرض الثالث : أن لا نفترض التعارض الداخليّ والإجمال في القسم الأوّل من الدليل اللفظيّ للتقليد ، بل نؤمن باختصاصه بالأعلم ، إمّا لفرض كون الفاصل بينهما كبيرا ، أو لفرض ارتكاز عقلائيّ يدلّ على تقديم رأي الأعلم وإن كان الفاصل بينهما ضئيلا ، مع الإيمان بأنّ هذا الارتكاز يؤثّر على ظهور الألفاظ ، ويوجب حمل الأدلة اللفظيّة على نفس المنهج المرتكز عقلائيّا . وعندئذ يقع التعارض بين قسمي الدليل اللفظيّ للتقليد ، لأنّ الأوّل منهما يشير إلى تقليد الأعلم ، والثاني منهما يشير إلى تقليد الكفوء المفروض اختلافه عن الأعلم في الفتوى .
فقد يقال : إنّهما يتساقطان ، ونرجع إلى الارتكاز العقلائيّ الدالّ على ترجيح رأي الأعلم .
ولكن قيد يقال في قبال ذلك : إنّ العرف يتعامل مع الدليلين اللفظيين في المقام معاملة العموم والخصوص المطلق لا العموم من وجه ، فالنسبة بينهما بالدقّة وإن كانت هي العموم من وجه - بعد فرض سقوط رأي غير الأعلم بلحاظ القسم الأوّل لدى التعارض لرأي الأعلم ، فيبقى رأي الأعلم كمادّة افتراق للقسم الأوّل ، كما بقي رأي الكفوء كمادّة افتراق للقسم الثاني - ولكن المفهوم عرفا هو أنّ النسبة بينهما عموم مطلق ، لأنّ القسم الأوّل شمل كلّ الفقهاء ، والقسم الثاني اختصّ بالفقهاء الكفوئين قياديّا ، فيكون المرجع هو الفقيه الكفوء قياديّا تقديما للخاصّ على العامّ ، لأنّ الإرجاع إلى الفقيه الكفوء يدلّ على عدم جواز الرجوع إلى غير الكفوء حتى فيما لو لم يتعارض الفتويان ، فالقسمان من دليلي التقليد متعارضان رغم كونهما مثبتين للعلم بوحدة الحكم ، أي : أنّه لا يوجد لدينا وجوبان للتقليد ، وإنّما لدينا وجوب واحد إمّا مقيّد بكفاءة المقلَّد للقيادة ، أو غير مقيّد بها ، ووزان الدليلين في المقام وزان ما لو ورد دليلان للتقليد : أحدهما لم يدلّ على اشتراط العدالة في المقلَّد ، والثاني دلّ على اشتراط العدالة فيه ، فعندئذ لا إشكال في أنّ الثاني يقدّم على الأوّل بالأخصّيّة ، رغم أنّه يمكن أن يقال بالتدقيق : إنّ النسبة بينهما عموم من وجه ، لأنّه لو وقع التعارض بين رأي الأعلم غير العادل ، ورأي العادل غير الأعلم ، فقد سقط رأي غير الأعلم عن الأماريّة ، والحجّيّة بلحاظ الدليل الأوّل ، وكان رأي العادل غير الأعلم مادّة للافتراق للدليل الثاني .
وإذا ثبت بهذا البيان نصب الفقيه الكفوء ، فلا تصل النوبة إلى الرجوع إلى بناء العقلاء ، المرجّح لرأي الأعلم كما مضى .
وأمّا على الاحتمال الثاني ، وهو فرض الانحلال ، وجعل قيد الكفاءة راجعا إلى الأمور التي