وبهذا انتهى البحث في قاعدة ( لا ضرر ) ، وبه تمّ الكلام في مباحث البراءة والاشتغال ولنشرع بعد هذا في مباحث الاستصحاب إن شاء اللَّه .
شرح
- ضرر ) على تحريم الإضرار بالنفس ، وذلك لأنّ جواز الإضرار بالنفس لا يعتبر حكما ضرريّا ، لأنّ المكلَّف لا يكون أمام هذا الجواز مكتوف اليد شرعا لا محيص له إلَّا الرضوخ لتحمّل الضرر كي يعتبر الجواز حكما نشأ منه الضرر ، وإنّما ينسب هذا الضرر إلى اختيار نفس الشخص لا غير ، وهذا بخلاف الإضرار بالغير ، فإنّه لو جاز ذلك كان هذا يعني تحميل الغير الضرر ، لأنّ الغير لا يملك أمام هذا الجواز حولا أو طولا ، فلو ضرّره من جاز له الإضرار اعتمادا على جواز الإضرار كان هذا الضرر مستندا إلى ذاك الجواز ، فيكون منفيّا ب ( لا ضرر ) .
والثاني : ما اختاره أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه من تفسير ذلك بمعنى نفي الضرر الخارجي المقيّد بنشوئه من الشريعة ، أو في دائرة تطبيق الشريعة . والوجه في هذا القيد أمران :
أحدهما : أنّ نفي الضرر الخارجي على الإطلاق واضح الكذب .
وثانيهما : أنّ ظاهر حال الشارع في المقام أن يكون المقصود بنفي الضرر نفيه له بما هو شارع ، لا بما هو خالق ومكوّن ، وهذا لا ينسجم مع نفي الضرر الخارجي على الإطلاق ، وإنّما ينسجم مع نفي الضرر المستند إلى الشارع بما هو شارع ، وهو الضرر الناشئ من الشريعة .
والوجه الأوّل لا يستلزم خروج الإضرار بالنفس عن إطلاق الحديث ، فإنّه لو نفي الضرر الَّذي يتحقّق بلحاظ جواز الإضرار بالنفس لم يكن ذلك كذبا ، ولكنّ الوجه الثاني يستلزم خروج ذلك عن الإطلاق ، لأنّ الضرر الَّذي يلحقه الإنسان بنفسه عمدا لكونه جائزا شرعا لا يستند إلى الشارع بما هو شارع ، لأنّ هذا الإنسان كان بإمكانه أن لا يضرّ نفسه رغم التزامه بالشريعة ، لأنّ الشريعة لم توجب عليه هذا الإضرار ، وإنّما حقّق هذا الضرر بمحض إرادته ، ولم يكن هو مكتوف الأيدي أمام حكم الشارع لا حول له ولا طول ، بل كان بإمكانه أن يتحرّز من الضرر بتركه ، فإنّ جواز الضرر يعني جواز فعله وجواز تركه ، وهذا بخلاف باب الإضرار بالغير ، فإنّه لو جاز ذلك لم يكن للغير حول ولا طول شرعيّ أمام هذا الجواز ، وكان ضرره مستندا إلى الشارع بما هو شارع .
وآخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين .