أقول : إنّ هذا الكلام تامّ بناء على أنّ الوجه في تقديم الخاصّ على العامّ هو الأظهريّة مثلا من دون الاعتراف بأنّ الفاصل الزمني بين كلمات الشارع يعتبر كلا فصل .
وأمّا بناء على ما سوف يأتي في محلَّه تحقيقه - إن شاء اللَّه - من أنّ الشارع حيث نصب قرينة عامّة على كونه بانيا على التدرّج في الكلام يرى أنّ الفاصل الزمني بين كلماته كأنّه غير موجود ، ولولا ذلك لم نقبل تقديم الخاصّ على العامّ ، فإنّ العرف لا يجمع بين كلامين متنافيين بمجرّد كون أحدهما أخصّ من الآخر ، بل يرى التعارض بينهما مستحكما ، وعند اتصال الخاصّ بالعامّ يرى بمقتضى السياق أنّ الخاصّ قرينة على العامّ ، وكذلك إذا نصب المتكلَّم قرينة عامّة على التدرّج في الكلام أصبح - بلحاظ عالم الحجيّة - الفصل بين كلماته كلا فصل ، فيقدّم الخاصّ على العامّ ، لقرينيّته عليه لدى فرض الاتّصال . فعندئذ تتقدّم قاعدة ( لا ضرر ) على مجموع الأدلَّة ، لكونها أخصّ من المجموع ، لأنّ الاتّصال لا يفرض بين كلّ واحد من تلك الأدلَّة وهذه القاعدة فقط ، بل يفرض الاتصال بينها وبين الكلّ معا ، ومن المعلوم أنّه لو كانت كلّ تلك الأدلَّة مع تلك القاعدة متّصلا بعضها ببعض لكانت القاعدة قرينة على تخصيص كلّ الأدلَّة ، فتقدّم على الكلّ [ 1 ] .
التقريب الثالث : أنّ الأمر دائر بين أن تقدّم القاعدة على كلّ الأدلَّة الأوليّة ، أو تقدّم كلّ الأدلَّة الأوليّة على القاعدة ، أو يقدّم بعضها على القاعدة دون بعض ، والثالث يوجب الترجيح بلا مرجح والثاني يوجب لغويّة القاعدة وسقوطها رأسا ،
شرح
[ 1 ] لا يخفى أنّ ديدن الشريعة وعادتها إن كان قائما على فصل المتّصلات بحيث يعتبر العرف الفصل كلا فصل ، صحّ ما ادّعي في المقام ، وكان حال ذلك حال ما لو تكلَّم المتكلَّم بالعامّ ثم غشي عليه ساعات ثمّ أفاق وتكلَّم بالمخصّص ، وإذا بلغ الأمر إلى هذا المستوى كانت القرينة المنفصلة هادمة للظهور ، ولكنّ الظاهر أنّ هذا المستوى من العادة للشريعة غير ثابت في المقام ، وأمّا ما يكون دون ذلك من العادة ممّا لا يسقط الظهور ، فلو أفاد شيئا فإنّما يفيد بمقدار أن يبنى رغم الانفصال على قرينيّة أحدهما على الآخر ، وأمّا تعيين كون القرينة هو الخاصّ مثلا رغم أنّ قرينيّته كانت نتيجة الاتّصال المفقود في المقام بالانفصال الَّذي ليس كلا انفصال ، فيتوقّف على دعوى أنّ جعل ما كان قرينة لدى الاتّصال قرينة لدى الانفصال أولى من جعل ما لم يكن قرينة لدى الاتّصال قرينة لدى الانفصال ، وليس هناك وجه واضح لهذه الأولويّة ، فبعد ما فقدنا الاتّصال يكون المحذوران متساويين ، ولا يرجعان إلى الأقلّ والأكثر .