بالقيد الثاني أي : بعدم سلطنة للزارع مزاحمة لسلطنة المالك ، إذ لا مانع من هذا القيد ، وأمّا سلطنة الزارع على ماله فليست مقيّدة بعدم سلطنة لصاحب الأرض مزاحمة لتلك السلطنة ، لما عرفت من أنّ سلطنة صاحب الأرض وعدمها متأخّرة رتبة عن سلطنة الزارع ، وتقيّد الشيء بالمتأخّر عنه رتبة محال ، وعليه فتصل النوبة إلى التقييد الأوّل ، فتقيّد سلطنة الزارع بعدم استلزامها للتصرّف في مال صاحب الأرض ، وبما أنّ استلزامها للتصرّف في ذلك ثابت تكوينا تنتفي سلطنة الزارع ، وبانتفائها يتحقّق موضوع سلطنة صاحب الأرض من عدم المزاحمة لسلطنة الغير ، فتثبت السلطنة لصاحب الأرض [ 1 ] ( 1 ) . أقول : إنّ هذا الكلام باطل من وجوه ، إذ يرد عليه : أوّلا : منع المقدّمة الأولى ، فإنّ تصرّف صاحب الأرض في أرضه يكون في عرض إشغال الزارع إيّاها ، وهما عملان متواردان على الأرض لا يجتمعان في مورد واحد ، فالأرض إمّا أن تكون تحت يد المالك ، أو تكون تحت يد الزارع ، وكونها تحت يد هذا في عرض كونها تحت يد ذاك ولا طوليّة بينهما . وثانيا : منع ما في المقدّمة الثانية من الطوليّة بين السلطنتين ، فإنّه لو سلَّمنا الطوليّة بين التصرّفين لا تثبت بذلك الطوليّة بين السلطنتين أوّلا : لمنع كون الطوليّة بين المعروضين مستلزمة للطوليّة بين العارضين ، وثانيا : لمنع كون السلطنة على التصرّف عارضا على التصرّف الخارجي ، فقد تتحقّق السلطنة على التصرّف من دون تحقّق التصرّف . نعم ، هي ذهنا مقيّدة بالتصرّف أي : أنّها سلطنة على التصرّف . وثالثا : لو سلَّمنا الطوليّة بين السلطنتين لا يلزم من ذلك كون عدم سلطنة المالك في طول سلطنة الزارع ، إلَّا بناء على القول بوحدة رتبتي النقيضين ، وهذا غير صحيح عندنا . ورابعا : منع المقدّمة الثالثة : من أنّ السلطنة يمكن تقييدها بوجهين ، فنقيّدها بالوجه الثاني الَّذي هو أقلّ تخصيصا ، فإن لم يمكن فبالوجه الأوّل .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 615
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦١٥
شرح
[ 1 ] وكأنّ ما ذكره أستاذنا رحمه اللَّه هنا توجيه لكلام المحقّق العراقي ، واقتناص لوجه فنّي من كلامه بالاستيحاء ، وإلَّا فالعبارة قاصرة عن أداء مثل هذا المعنى ، إلَّا أن يكون هذا مأخوذا من تقرير لبحثه غير موجود عندي ، لا من المقالات .
هامش
( 1 ) راجع المقالات : الطبعة المذكورة قبل قليل ج 2 ، ص 120 ، .