القسم الثاني : ما يمكن نفي أصل الحكم به ، كما في » لا رهبانيّة في الإسلام ولا غش « ونحو ذلك . وهذا يكون بأحد وجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّ موضوع الحكم موجود في عالم التشريع بوجود نفس الحكم ، فإنّ الحكم له موضوع لا محالة ، كما أنّ له محمولا ، فإذا وجد في عالم التشريع فقد وجد بموضوعه ومحموله ، فلموضوع الحكم وجود من سنخ وجود الحكم ، وبنفيه ينتفي الحكم لا محالة ، فيمكن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بهذا النحو ، بشرط أن يكون ثبوت الحكم لذلك الموضوع مترقّبا ومأنوسا في ذهن العقلاء ، لكونه ثابتا في الشرائع السابقة ، أو لكونه ثابتا عند العقلاء مثلا حتّى يكون بيان نفي ذلك الحكم بنفي هذا الموضوع عرفيّا ، فالرهبانيّة مثلا كانت موجودة في المسيحيّة ونفيت في الإسلام . وهذا الوجه هو الَّذي ذكره المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه في المقام .
ولكنّ الصحيح : أنّ هذا ليس وجها عرفيّا ، ولذا ترى أنّه لا يتمّ في نفي الحكم التحريمي ، فلا يقال مثلا : » لا طلاق في الإسلام « بمعنى نفي حرمته ، كما يقال : » لا رهبانيّة في الإسلام « بمعنى نفي استساغته ، مع أنّه كما كانت الرهبانيّة مستساغة في المسيحيّة ، كذلك كان الطلاق حراما في المسيحيّة ، فلئن صحّ نفي الحكم بلسان نفى الموضوع بهذه النكتة فهي نكتة مشتركة بين فرض كون الحكم استساغيّا وكونه تحريميّا ، فإنّ الموضوع في الحكم التحريمي - أيضا - له وجود في عالم التشريع من سنخ وجود حكمه ، فلما ذا لا يصحّ ذلك في الحكم التحريمي ؟ نعم هذا الوجه قد يتمّ في بعض الموارد بعنايات فائقة من تصريح ، أو غير ذلك .
الثاني : أن ينفي الحكم بنفي الوجود الاستساغي للموضوع .
توضيح ذلك : أنّ كلّ شيء يكون محكوما بحكم استساغي في شريعة يكون له وجود استساغي في تلك الشريعة ، وبهذا الاعتبار يقال مثلا : إنّ شرب الخمر غير موجود في الإسلام ، وهذا النحو من الوجود ليس هو ما مضى من وجود الموضوع بوجود حكمه ، فإنّه بذلك المعنى يكون شرب الخمر - أيضا - موجودا في الإسلام ، فإنّ نسبة الحرمة إليه كنسبة الحكم الاستساغي إلى ما يستساغ ، وإنّما هذا النحو من الوجود يكون باعتبار أنّ ما يستساغ في شريعة يوجد خارجا في العالم الَّذي طبّقت عليه تلك الشريعة ، فكأنّه فرض بهذه المناسبة أنّ له نحو وجود في تلك الشريعة ، فإذا نفي هذا الوجود له في الشريعة نفي بذلك الحكم الاستساغي فيها ، وبهذا يظهر السرّ في صحّة قولنا : » لا رهبانيّة في الإسلام « بداعي نفي استساغته ، وعدم صحّة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 541
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٤١