معنى المشاركيّة ( بالكسر ) على نحو التقييد ، فإذا قال : ( ضارب زيد عمرا ) دلّ ذلك على ضرب زيد لعمرو المقيّد بكونه مشاركا لعمرو ، وكأنّما قال : شارك زيد عمرا في الضرب ، فباب المفاعلة يكون بين الاثنين بنحو يكون أحدهما فاعلا والآخر مفعولا به ، لما عرفت من أنّه يدلّ على نسبة المادّة إلى الفاعل مع إشراب معنى المشاركيّة ، فلا تلزم دلالة هيئة واحدة على معنيين ، ولا عدم الفرق بين باب المفاعلة والتفاعل ، ولا عدم إعطاء المفاعلة معنى يكون بين اثنين .
هذا . ولكنّه لا يمكن المساعدة على هذا الَّذي يستفاد من كلامهم ، لاختلاف معنى باب المفاعلة عن معنى ( شارك زيد عمرا ) ، فإنّه في مثل هذا يكون الأصل بحسب المتصوّر الذهني هو المنصوب ، والتابع هو المرفوع ، مع انّ المستفاد من باب المفاعلة هو العكس ، نعم ، لو فرض تضمين معنى المشاركيّة ( بالفتح ) لا المشاركيّة ( بالكسر ) ارتفع هذا الإشكال .
وأمّا القسم الأوّل من كلامه قدّس سرّه فيرد عليه :
أوّلا : أنّ ما أتى به من الأمثلة وهي أربعة عشر مثالا ، بل جميع ما يكون من قبيل تلك الأمثلة - إن وجد غيرها - لا يكون بمقدار ينافي ما يدّعى : من أنّ الأصل في باب المفاعلة هو أن يكون بين الاثنين .
وثانيا : أنّ جملة ممّا ذكره من الأمثلة إمّا تكون ممّا لا مجرّد له ، أو ممّا يكون له مجرّد بغير معناه كبارز ، وساعد ، ونادى ، ونافق ، ووأرى ، وباشر ، وبعضها وإن كان له مجرّد بمعناه ، لكنّه موضوع لمعنى لا يناسب أن يكون بين اثنين ، كخالع وكآخذ مثلا بمعنى المعاقبة ، فبما أنّها من العالي إلى السافل فوقوعها بين الاثنين بعيد عن الاعتبار ، ومراد المشهور من وضع المفاعلة لما بين الاثنين : هو المفاعلة المأخوذة من المجرّد الَّذي يلائم معناه لفرض وقوعه بين الاثنين .
هذا كلَّه لو فرضنا أنّ المراد بالأصل في المقام هو الغلبة . وأمّا لو قلنا : إنّ المراد بذلك هو أنّ باب المفاعلة بلحاظ سائر معانيه إنّما كان لشبهها بما بين الاثنين ، فالمحور لمعاني باب المفاعلة الَّذي تكون بقيّة المعاني بلحاظه هو هذا المعنى ، فسافر مثلا لوحظت فيه مشابهته لما بين الاثنين من حيث إنّ ما يقع بين الاثنين كأنّه له نحو امتداد ، والسفر - أيضا - له نحو امتداد لطوله ، فلو فرضنا أنّ المراد هو ذلك ، كما هو الأقرب إلى الاعتبار لا يأتي عليه الإشكال الَّذي أورده مهما كثرت أمثلة سائر المعاني غير معنى ما بين الاثنين ما دامت ملحوظة فيها جهة الشبه بذاك المعنى .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 530
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٣٠