تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
مقصودهم هو هذا فلا مشاحّة في الاصطلاح [ 1 ] . ومنها : أنّ ما يقال : من أنّ معنى ( ذهب به ) هو معنى ( أذهبه ) في غير محلَّه ، فإنّ تقيّد الذهاب بقيد ( به ) لا يغيّره عن معناه الأصلي ، وإنّما يقيّده بأمر زائد ، فيكون معناه : أنّه ذهب ذهابا أصحب الآخر معه فيه ، بحيث كأنّه كان تحت تسلَّطه وتبعيّته ، وهذا هو المعنى الَّذي قصد بنحو المجاز والتشبيه البليغ اللطيف من قوله تعالى : ذهب اللَّه بنورهم أي : كأنّه تعالى أخذ نورهم وذهب به إلى الخارج ، ثمّ رجع من دون رجوع النور . ومنها : بطلان ما استشهد به السيّد الأستاذ على مختاره ، توضيح ذلك : أنّ
شرح
[ 1 ] لا يخفى أنّه في لغة النحاة وإن كان ربّما يسمّى كلّ تعلَّق للجار والمجرور بالفعل تعدّيا للفعل إلى ذاك المجرور بواسطة حرف الجرّ ، ولكنّ المصطلح الخاصّ لحرف التعديّة ليس هذا ، ولذا يجعلون التعدية أحد معاني الباء مثلا ، ولا يفرضون أنّ الباء دائما هو للتعدّي . وقد جاء في المغني في حرف الباء ذكر عدّة معاني لها ثانيها التعدية ، وجعل المائز بين هذا القسم وسائر أقسام الباء أنّ هذا القسم يصيّر الفاعل مفعولا ، ففرق مثلا بين الباء في ( ذهبت بزيد ) ، وهي للتعدية وبين الباء في ( مررت بزيد ) والفارق : هو أنّ زيدا في ( مررت بزيد ) ليس مارّا أي : ليس فاعلا أبدل إلى مفعول ، بل هو ممرور به ، ولكنّه في ( ذهبت بزيد ) ذاهب أي : هو فاعل قد أصبح مفعولا في المقام . ولكنّ المحقّق الأصفهاني رحمه اللَّه في المقام لم يقصد بالتعدية التعدية بمعناها الخاصّ ، بل قصد التعدية بمعناها العامّ الثابت في جميع موارد حروف الجرّ ، ولذا مثّل له ب ( كتب إليه ، وجلس إليه ) فورود إشكال أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه عليه من الخلط بين معنيين للتعدّي واضح . بل لا يبعد أن يقال : إنّه حتّى المعنى الخاصّ للتعدّي بالباء الَّذي عبّر عنه صاحب المغني بأنّه يصيّر الفاعل مفعولا يختلف عن تعدّي باب المفاعلة أو الأفعال أو التفعيل ، فالتعدية بهذه الهيئات تعني تغييرا جوهريّا في معنى الفعل مؤدّيا إلى تبدّل النسبة الحلوليّة إلى النسبة الصدوريّة ، في حين أنّ التعديّة في ( ذهب بزيد ) ليست هكذا ، ويكون المجرور في ذلك طرفا للنسبة الناقصة لا التامّة ، وقد التفت المبرّد والسهيلي إلى الفرق بين ( ذهب بزيد ) و ( اذهب زيدا ) والفرق الَّذي ذكراه هو مظهر من مظاهر هذا الفرق الجوهري الَّذي أشرنا إليه ، فقد ذكرا : أنّ بين التعديتين فرقا ، وإنّك إذا قلت : ( ذهبت بزيد ) كنت مصاحبا له في الذهاب بخلاف ما إذا قلت : ( أذهبت زيدا ) ، فإنّه ليس من الضروري من مفاد ( أذهبت ) أنّك قد ذهبت معه . وأورد صاحب المغني عليهما بالنقض بقوله تعالى ذهب اللَّه بنورهم إذ لا يعقل افتراض أنّ اللَّه تعالى قد ذهب مع نورهم ، وكأنّ أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه كان بصدد الجواب عن مثل هذا الإشكال ، فذكر ما في المتن من أنّ المقصود بالآية : معنى بلاغي وتشبيه بديع .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 528 | السيد كاظم الحسيني الحائري