وأمّا ما ذكره : من أنّ فائدة باب المفاعلة الَّذي يكون مجرّده لازما هي ما يفيده حرف الجرّ ، فهذا في الحقيقة خلط بين قسمين من التعدّي :
الأوّل : التعدّي بمعناه الحقيقي وهو كون الفعل صدوريا لا حلوليا من قبيل ضرب ، ومعنى التعدّي : هو أنّ معنى الفعل يكون سنخ معنى ينتهي من الفاعل إلى المفعول به ، ويتقوّم بالفاعل والمفعول به معا ، فالنسبة التي تدلّ عليها هيئة الفعل بنفسها تتطلب في أحد طرفيها مصبّين وحدّين : أحدهما الفاعل ، والثاني المفعول به ، فهي نسبة تكون من أحد الطرفين ذات رأس واحد وهو مادّة الفعل ، ومن الطرف الآخر ذات رأسين : وهما الفاعل والمفعول به ، ومن هنا ظهر أنّ المفعول به طرف للنسبة التامّة كالفاعل .
والثاني : التعدّي الحاصل بحرف الجرّ ، وهذا في الحقيقة ليس تعدّيا بمعنى تغيير معنى الفعل الحلولي بنحو يصبح صدوريّا بحيث تكون النسبة في أحد طرفيها ذات رأسين ، بل يبقى الفعل على حلوليّته ، وإنّما حرف الجرّ شأنه تحصيص المادّة وتقييدها بالمجرور ، فيصبح المجرور طرفا للنسبة الناقصة ، ثمّ تنسب هيئة الفعل هذا المعنى المحصّص المقيّد إلى الفاعل ، والتّعدية الناشئة من تغيير صيغة الفعل كتحويله إلى باب الأفعال أو المفاعلة تكون من القسم الأوّل ، ففرق كبير بين ( جالست زيدا ) و ( جلست إلى زيد ) . فجالست يعطي معنى يتقوّم بمعمولين ، أي :
يحتاج بنفسه إلى فاعل ومفعول به ويكون صدوريّا ، وأمّا ( جلست إلى زيد ) ، فجلست يفيد معنى حلوليّا ، وقد قيّد بكونه إلى جنب زيد ، ونسب هذا الجلوس المقيّد إلى الفاعل .
ومن هنا تظهر عدّة أمور :
منها : عدم صحّة ما ذكره المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه : من أنّ فائدة باب المفاعلة في الأفعال هي فائدة حرف الجرّ .
ومنها : أنّ ما ذكره النحاة : من أنّ الفعل اللازم يتعدّى بحرف الجرّ غير صحيح ، إلَّا إذا أريد من ذلك التعدّي بمعنى أعمّ يشمل هذا النحو من التعدّي وهو تحصيص المادّة وتقييدها بشيء ، وهو مباين هويّة لتعدّي الفعل الَّذي يكون بنفسه متعدّيا ، وإن كان يعطي نتيجته ويفيد فائدته ، فجلست إلى زيد يفيد فائدة جالسته ، فإن كان
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 527
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٢٧