باب المفاعلة كضارب يدلّ على نسبتين : إحداهما نسبة ضرب زيد إلى عمرو مثلا ، والأخرى نسبة ضرب عمرو إلى زيد . وكذلك باب التفاعل ، إلَّا أنّ الفرق بين البابين هو : أنّ النسبتين في باب التفاعل في عرض واحد ، لذا يرفع فيه كلا المعمولين ، وفي باب المفاعلة طوليتان وتكون إحدى النسبتين جانبيّة ، ولذا يرفع أحد المعمولين وينصب الآخر .
وذكر هنا المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه : أنّه إمّا أن يقال بأنّ باب المفاعلة يدلّ على إحدى النسبتين فقط أي : أنّ ضارب يفيد معنى ضرب من هذه الناحية ، أو يقال : بأنّه يدلّ على النسبتين . وكذلك باب التفاعل ، إلَّا أنّ الدلالة على النسبتين تكون بمعنى الدلالة على ما ينتزع من النسبتين وهي نسبة ثالثة ، أو يقال : بأنّه يدلّ على نفس النسبتين مع طوليّة بينهما في باب المفاعلة . ولا طوليّة بينهما في التفاعل .
أمّا الأوّل : وهو دلالة المفاعلة على إحدى النسبتين فقط فهو المختار لنا في مقابل المشهور .
وأمّا الثاني : فيرد عليه : أنّه لا يبقى فرق بناء عليه بين باب المفاعلة وباب التفاعل ، مع أنّه لا إشكال في وجود الفرق بينهما .
وأمّا الثالث : فيرد عليه : أوّلا : أنّ دلالة الهيئة على النسبتين غير صحيحة على حدّ عدم صحّة دلالة اللفظ على معنيين .
وثانيا : أنّنا لا نتعقّل طوليّة بين النسبتين ، فاللفظ دلّ على مجرّد الضربين ونسبتهما إلى فاعلهما . ومن الواضح : أنّهما نسبتان في عرض واحد ، هذا إذا أريدت دلالة الهيئة على النسبتين بالمطابقة مع فرض طوليّة بينهما ثبوتا . وأمّا إذا أريدت الطوليّة بين النسبتين إثباتا بأن تدلّ الهيئة على إحدى النسبتين بالمطابقة ، وعلى الأخرى بالالتزام من دون لزوم استعمال الهيئة في معنيين ، لأنّه لم تستعمل الهيئة إلَّا في إحدى النسبتين التي دلَّت عليها بالمطابقة . فيرد عليه : أنّ هذا فرع وجود ملازمة بين النسبتين ، مع أنّه لا توجد أيّة ملازمة بينهما .
القسم الثالث : ذكر ما هو المختار له قدّس سرّه : وهو أنّ باب المفاعلة يدلّ على التعدية ، فإن كان الفعل لازما يصبح متعدّيا بذهابه إلى باب ( فاعل ) ويكون معناه حين إدخال هيئة ( فاعل ) عليه : هو عين معناه حين إلحاق حرف الجرّ به ، فمعنى ( جالست زيدا ) هو عين معنى ( جلست إلى زيد ) .
وإن كان الفعل متعدّيا فلا يتغيّر معنى الفعل ، وإنّما يكون باب المفاعلة مؤكَّدا
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 525
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٢٥