المرتكزة في ذهن العقلاء بحدودها ، فبما أنّ الارتكاز العقلائي في الشبهات الحكميّة كان يفصّل بين ما قبل الفحص وما بعده قلنا في الشبهات الحكميّة بعدم جريان البراءة قبل الفحص ، وهذا الوجه يجري في المقام - أيضا - فيثبت لزوم الفحص في الشبهات الموضوعيّة ، لما عرفت من أنّ الارتكاز العقلائي يقتضي الفحص حتّى في الشبهات الموضوعيّة ، ويجري البراءة بعد الفحص ، إلَّا أنّ هذا الوجه إنّما يثبت وجوب الفحص بمقدار ناقص أي : بمقدار ما يساعد عليه الارتكاز العقلائي ، وهو المقدار الَّذي لا يكون المكلَّف معه متهرّبا من التكليف ومغمضا للعين عنه على ما مضى بيانه آنفا عند التكلَّم عن البراءة العقلائيّة .
الوجه الثاني : إيقاع المعارضة بين إطلاق البراءة في حديث الرفع وإطلاق المستثنى في البراءة القرآنيّة . وهذا الوجه لا يجري في المقام ، لما قلنا في بحث البراءة من أنّ الآيات الدالَّة على البراءة تختصّ بالشبهات الحكميّة [ 1 ] .
الوجه الثالث : إبداء احتمال القرينة المتّصلة : وهي شدّة اهتمام النبي صلَّى اللَّه عليه وآله بإفناء الشكّ في الشبهة الحكميّة ، وهذا الوجه - أيضا - لا يأتي في المقام ، فإنّ ظهور حال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله في الاهتمام بإفناء الشكّ إنّما هو بلحاظ الشبهة الحكميّة ، لأنّ حال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله إنّما كان بصدد علاج الشبهات الحكميّة ، وكان يبيّن لهم الأحكام الكلَّيّة ، فانعقد من هذه الصيغة ظهور حال في أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله مهتمّ بإفناء تلك الشكوك بدرجة
شرح
[ 1 ] مضى منه رضوان اللَّه تعالى عليه في محله أنّ قوله تعالى : لا يكلَّف اللَّه نفسا إلَّا ما آتاها يعم الشبهة الموضوعيّة ، وإذا كان كذلك فهذا الوجه يجري في المقام أيضا . نعم ، إنّ هذا الوجه لا يفيد شيئا أزيد من الوجه السابق ، فإنّ الإتيان يعطي عرفا معنى جعله في معرض الوصول إلى المكلَّف بحيث لو لم يتهرّب المكلَّف من وصوله إليه ولم يغمض عينه عنه كان من الطبيعي وصوله إليه .
لا يقال : إنّه في الشبهة الموضوعيّة قد حصل الإيتاء حتما ، لأنّ كبرى التكليف واصلة إليه حسب الفرض .
فإنّه يقال : إنّ الكبرى وحدها غير قابلة للتنجّز وإنّما الَّذي يقبل التنجّز هو النتيجة ، ولذا لو قطع بعدم الصغرى لم يؤثّر وصول الكبرى تنجيزا عليه كما هو واضح .
فالواجب على المكلَّف هو عدم التهرّب من وصول النتيجة إليه وعدم غمض العين عنه وعلى أيّة حال فقد مضى منّا - في بحث آيات البراءة تعليقا على كلام أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه - توضيح عدم تماميّة دلالة هذه الآية على البراءة .