الفحص في الشبهات الموضوعيّة
وأمّا المقام الثاني : وهو وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة وعدمه ، فأيضا تارة يقع الكلام في البراءة العقليّة ، وأخرى في البراءة الشرعيّة .
بلحاظ البراءة العقليّة
أمّا البراءة العقليّة : فقد عرفت أنّها ليست قانونا عقليّا ، فإنّ العقل لا يستقلّ بقاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) ، بل هي ترجع بتحليل علمي إلى قاعدة عقلائيّة ارتكازيّة شرحنا فيما مضى الظروف التي أدّت إلى قيام هذا الارتكاز ، وترسّخ هذه القاعدة في أذهان العقلاء .
وهذه البراءة العقلائيّة في الشبهات الحكميّة تختصّ بما بعد الفحص ، فإنّ البراءة المجعولة اجتماعيّا من قبل المولويات العقلائية لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص ، وتعتبر تلك الموارد داخلة تحت دائرة حقّ الطاعة والمولويّة ، هذا بلحاظ الشبهة الحكميّة . وأمّا بلحاظ الشبهة الموضوعيّة فالأمر في الجملة - أيضا - كذلك ، فإنّ مرتبة من الفحص لازمة بحسب الارتكاز العقلائي ، وهي المرتبة التي يعتبر خلافها تهرّبا من الحكم وإغماضا للعين عن الحكم ، وتوضيح ذلك : أنّه قد يشكّ المكلَّف في الحكم ، ويكون المفروض أنّ هذا التكليف للمولى لو كان موجودا لا يصله بحسب العادة إلَّا بالفحص ، فهنا لا يعذر المكلَّف عقلائيّا ، وإنّما يعذر إذا كان المكلَّف واقفا في موقف بحيث يكون التكليف بحسب طبعه ممكن الوصول للمكلَّف عادة بلا فحص ، فلا بدّ للمكلَّف من الفحص عن التكليف بمقدار بحيث يحقّق له موقفا يمكن ويحتمل أن يصله التكليف في ذلك الموقف ، وأمّا إذا كان الموقف بحيث لا يحتمل عادة أن يصله التكليف ، فلا يعدّ معذورا عقلائيّا ، فمثلا لو وقعت قطرة على يده ولا يدري هل هي دم أم لا فيغمض عينيه ويقول : أنّا شاكّ في كونها دما ، فهو وإن كان شاكَّا ، لكنّ التكليف عادة لا يصله وهو مغمض العينين ، فتركه للنظر إلى موضع القطرة المشكوكة يعتبر بحسب النّظر العرفي تهرّبا من الوقوع في تبعة التكليف وفرارا منه ، ولا تكون البراءة العقلائيّة مسوّغة لمثل هذا الهروب .
ولعلّ هذه النكتة هي نكتة ما سبق من عدم جريان البراءة العقلائيّة قبل الفحص في الشبهات الحكميّة ، لأنّ إغماض العين عن كتاب الأخبار كإغماض العين عن تلك القطرة من الدم ، أي : أنّ العادة جارية في تبليغ الأحكام من الموالي إلى