المحكوم عليهم على إيصال تلك الأحكام إلى مقام معيّن ، والمحكوم عليه يذهب إلى ذلك المقام فيفحص عن تلك الأحكام ، لا أنّها تصل إلى كلّ إنسان في بيته ، فمثلا : القوانين المجعولة من قبل الحكومة تنشر في صحيفة رسمية ، ومن أراد تطبيقها لا بدّ له أن يطالع الصحيفة ويطبّقها ، وهكذا لو كانت الحكومة تنشر قوانينها عن طريق الإذاعة مثلا ، فعلى الناس أن يستمعوا إليها ، فعدم الذهاب إلى ذلك المقام هو بنفسه إغماض العين ، إلَّا أنّ إغماض العين يختلف مصداقه باختلاف طبيعة الشبهة ، وطبيعة كيفية وصول الحكم . إذن فبالإمكان أن ننتزع هذا العنوان الجامع بين الشبهتين بأن نقول : إنّ القاعدة العقلائيّة لا تشمل الموارد التي لم يتحقّق فيها هذا المقدار الجامع من الفحص ، أي : المقدار الَّذي يصدق معه عدم التهرّب وعدم غمض العين وإن اختلف مصداق هذا الجامع باختلاف طبيعي الشبهة [ 1 ] . نعم ، خروج ما قبل الفحص في الشبهات الحكميّة عن البراءة يكون أوضح بحسب الارتكاز العقلائي منه في الشبهات الموضوعيّة .
هذا حال البراءة العقلائيّة ، ولكن تحقيق البراءة العقلائيّة وتحديد حدودها بما هي براءة عقلائيّة لا ينفعنا ، لأنّنا نتكلَّم تجاه المولى الحقيقي لا تجاه مولى جعلت مولويّته في المجتمع العقلائي ، إلَّا أنّ هذا ينفعنا في فهم دليل البراءة الشرعيّة على ما تقدّم ، وعلى ما تأتي الإشارة إليه .
هذا هو الكلام على مستوى البراءة العقليّة ، فالبراءة العقليّة لا وجود لها ، وقد حوّلناها إلى براءة عقلائيّة ، والبراءة العقلائيّة لا تشمل ما قبل الفحص في المورد الَّذي يصدق فيه التهرّب وغمض العين .
بلحاظ البراءة الشرعيّة
وأمّا البراءة الشرعيّة : ففي مقام تحقيق اختصاصها بما بعد الفحص وعدمه نرجع إلى ما مضى من الوجوه التسعة ، لاختصاصها بما بعد الفحص في الشبهات الحكميّة ، لنرى أنّه هل يتمّ منها شيء هنا ، أو لا ؟ فنقول :
الوجه الأوّل : أنّ دليل البراءة له ظهور في أنّه دليل إمضائي ، فهو يمضي البراءة
شرح
[ 1 ] لنا كلام حول هذا الأمر يأتي - إن شاء اللَّه - قريبا في البراءة الشرعيّة في تعليقنا في الوجه السابع من وجوه الفحص .