والصحيح : أنّ التفسير الأوّل خلاف الظاهر ، إذ :
أوّلا : أنّ حرف السلب في قوله : « لا يسقط » بحسب ظهوره الأوّلي يكون نفيا حينما لا قرينة على إرادة النهي .
ثانيا : لا يصحّ حمل الرواية على النهي ، لا لمجرّد عدم القرينة على ذلك كما ذكرناه في الوجه الأوّل ، بل لخصوصيّة في سياق الحديث ، وهي أنّ حرف السلب لم يدخل على ما هو فعل المكلَّف حتّى يقبل حمله على النهي ، وإنّما دخل على ما هو من أفعال المولى ، وهو سقوط الميسور ، والتعبير ( بالسقوط ) يكون باعتبار وجوده واستقراره في العهدة كما يقال : كان عليه دين فأسقطه .
إن قيل : يمكن أن يراد السقوط من حيث العمل الخارجي بمعنى ترتيب آثار السقوط فيتصوّر النهي ، وذلك كما في : « لا تنقض اليقين بالشكّ » حيث يحمل على ترتيب آثار النقض ، وإلَّا فأصل اليقين منقوض ومقطوع جزما .
قلت : أوّلا : إنّ هذا إنّما يصار إليه حيث لا يمكن حمل اللفظ على معناه الحقيقي ، فيحمل على إرادة آثار ذلك المعنى كما في حديث : ( لا تنقض ) ، وهذا بخلاف مثل ما نحن فيه الَّذي يمكن حمله على معناه الحقيقي .
وثانيا : أنّ النقض من الأفعال التي يمكن إضافتها إلى المكلَّف في نفسها بغضّ النّظر عن خروجه عن قدرة المكلَّف ، والسقوط ليس هكذا ، وإنّما الَّذي يقابل النقض في هذه الجهة هو الإسقاط ، وأمّا السقوط فهو مقابل الانتقاض ، ولذا أسند في الحديث إلى الميسور لا إلى المكلَّف .
نعم ، لو قرئ الحديث هكذا : ( الميسور لا يسقط ) بصيغة المجهول ، صحّ من هذه الناحية قياسه بالنقض في حديث : ( لا تنقض ) .
ثمّ لو سلَّم حمل الحديث على النهي قلنا : إنّ هذا الحديث إنّما يدلّ على المنع عن إسقاط الميسور من المستحبّ من جهة تعذّر بعض الأجزاء ، وأمّا إسقاطه من جهة كونه من المستحبّات لا من الواجبات ، فلا يدلّ على المنع عنه ، فلا معارضة بين الهيئة والإطلاق .
ثمّ لو سلَّم التعارض بين ظهور النهي في اللزوم والإطلاق ، قلنا : إنّ الأوّل يقدّم على الثاني على ما قرّر في محلَّه ، فلو ورد مثلا : ( لا تكرم الفاسق ) وورد الدليل على جواز إكرام زيد الفاسق ، يجعل الثاني مخصّصا للأوّل لا قرينة على حمل النهي على الكراهة ، بأن يقال بجواز إكرام كل فاسق لكن مع الكراهة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 411
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١١