هو بكون الخطاب تأكيدا أو تأسيسا لا بالمولويّة والإرشاد ، ومن الواضح أنّ التأكيد والتأسيس ليسا من مداليل الألفاظ حتّى يلزم من الجمع بينهما استعمال اللفظ في معنيين مثلا ، وإنّما هما أمران ينتزعان من سبق بيان آخر لهذا الحكم على هذا البيان وعدمه ، فلا يلزم من الجمع بين باب المركَّب وباب الكلَّي أيّ محذور في المقام . وثانيا : أنّنا لو سلَّمنا أنّ الحكم في باب الكلَّي والفرد يكون إرشاديّا ، وفي باب المركَّب يكون مولويّا ، قلنا : إنّ المولويّة والإرشاديّة ليستا من المداليل المستعمل فيها اللفظ ، فصيغة الأمر في قوله : ( أقم الصلاة ) ، وفي قوله : ( أطع اللَّه ) مثلا قد استعملت في معنى واحد وهو النسبة البعثيّة والتحريكيّة ، وإنّما المولويّة والإرشاديّة من مقام المدلول التصديقي لا التصوّري ، فلا يلزم من الجمع بين باب الكلَّي وباب المركَّب محذور ، ولا يكون استعمالا للفظ في معنيين ، غاية الأمر أنّه أريد من هذه الجملة مدلولان تصديقيّان ، ولا محذور في ذلك إذا كان بين المدلولين التصديقيّين سنخيّة بحيث يناسب أن يكون كلاهما معا مرادا من هذه الجملة . ومنها : إشكال يبتني على حمل الحديث في المقام على النفي الحقيقي الإخباري ، وهو أنّ هذا النفي في باب الكلَّي مع أفراده يكون حقيقيا ، وفي باب الكلّ مع أجزائه يكون مسامحيّا ، لأنّ وجوب الكلّ يسقط بتعذّر أحد الأجزاء ، ولو وجب الباقي فهو وجوب جديد ، والمسامحة تحتاج إلى قرينة وهي مفقودة في المقام ، فيحمل الحديث على باب الكلَّي والأفراد . أقول : إنّ هذا الكلام إنّما يكون بناء على التصوير المشهور - في وجوب الباقي عند تعذّر أحد الأجزاء - من أنّ الوجوب الأوّل تعلَّق بالكلّ ، وسقط بالتعذّر ، وأنّ هذا وجوب جديد . وأمّا بناء على التصوير الَّذي مضى منّا من فرض تعلَّق الوجوب بالجامع بين الفرد الكامل عند التمكَّن والفرد الناقص عند العجز ، فلا يأتي هذا البيان . بل التحقيق : أنّ هذا الكلام لا يتمّ حتّى بناء على التصوّر المشهور من تعلَّق الوجوب بالكلّ وسقوطه بتعذّر الجزء ، وذلك لأنّه لو قدّر في المقام كلمة ( الحكم ) وكان المعنى : ( أنّ حكم الميسور لا يسقط بالمعسور ) ، تمّ هذا الكلام ، وقلنا - كما في الدراسات - ( 1 ) : إنّ عدم السقوط هنا عنائي ، لأنّ وجوب الكلّ قد سقط حتما ، ولكنّ التقدير خلاف الأصل . وظاهر الحديث إسناد السقوط إلى نفس الميسور باعتبار ما له
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 414
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١٤
هامش
( 1 ) ج 3 ، ص 304 - 305 ، وراجع - أيضا - المصباح : ج 2 ، ص 484 - 485 . .