أوجب تعدّد الظرف وارتفاع المنافاة ، وهذا بخلاف الأمور الخارجيّة الزمانيّة كالسواد والبياض اللذين هما متضادّان لا يجتمعان في زمان واحد ولو فرض أحدهما معلولا للآخر ومتأخّرا عنه رتبة ، والدخول في الملك والخروج عنه من هذا القبيل ، فإنّهما حكمان شرعيّان زمانيّان .
وأمّا فيما نحن فيه فلا معنى لتطبيق قانون أنّ الأحكام الشرعيّة زمانيّة لا رتبيّة ، فإنّ الكلام في قانون كلَّي عامّ ثابت حتّى في الأمور التكوينيّة الخارجيّة ، وهو أنّ الشيء المتأخّر رتبة يستحيل عقلا أن يزاحم الشيء السابق عليه ، ولا معنى لوقوع التعارض والتزاحم بين شيئين أحدهما متفرّع على عدم الآخر ، سواء كانا عقليين أو شرعيين ، اعتباريين أو خارجيين ، زمانيين أو غير زمانيين ، وهذا كما ترى لا علاقة له بفهم أنّ الأحكام الشرعيّة هل يكون ظرفها الزمان أو الرتبة ، وليس من قبيل قانون استحالة اجتماع الضدّين ، الَّذي لا بدّ في معرفة انطباقه على أمرين مختلفين رتبة أن نرى أنّه هل يكون ظرفهما الزمان والخارج فيلزم اجتماع الضدّين ، أو ظرفهما الرتبة ، وقد فرض تعدّدها فلا يلزم اجتماع الضدين .
وعلى أيّة حال ، فقد عرفت عدم تماميّة الأمر الثاني .
وأمّا الأمر الثالث : وهو كون أصالة الطهارة في الملاقي في طول أصالة الطهارة في الملاقى ، فهو وإن كان صحيحا عندهم إلَّا أنّه غير صحيح عندنا ، وذلك لوجهين : - أحدهما : ما يقتضي - بشكل عام - عدم الطوليّة بين كلّ أصلين متوافقين ، ولو من قبيل الاستصحاب السببي والاستصحاب المسبّبي ، وهذا ما يأتي تحقيقه - إن شاء اللَّه - في آخر مبحث الاستصحاب في بيان علاقات الأمارات والأصول بعضها مع بعض .
وثانيهما : إنّه حتّى لو قلنا بحكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبّبي المتوافقين ، لا نقول بحكومة أصالة الطهارة السببيّة على أصالة الطهارة المسبّبيّة ، وذلك لأنّ الحكومة تكون بأحد ملاكين : إمّا بملاك رفع الموضوع مثلا تعبّدا ، وإمّا بملاك النّظر ، أمّا الأوّل فلئن سلَّم في الاستصحاب - باعتبار أنّ الشارع جعل في مورده اليقين تعبدا ورفع بذلك الشكّ ، فيرتفع بذلك تعبدا موضوع الاستصحاب المسبّبي - لا نسلَّمه هنا ، إذ لا يتوهّم في أصالة الطهارة أنّ المجعول هو العلم وعدم الشكّ ، وأمّا الثاني فإنّما يمكن دعوى إثبات الحكومة به لدليل أصالة الطهارة على أدلَّة الأحكام الأوّليّة ، كدليل وجوب الصلاة في الثوب الطاهر ، أو حرمة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 268
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٦٨