وهذان المسلكان يختلفان أوّلا : في أنّ الثاني يختصّ بمبنى الاقتضاء ، إذ على مبنى العلَّية لا أثر لوجود المعارض وعدمه ، بخلاف الأوّل فهو يناسب مبنى العلَّيّة أيضا ، ولهذا تبنّاه المحقّق العراقي رحمه اللَّه القائل بالعلَّية . وثانيا : في أنّه على الأوّل تجري البراءة العقليّة أيضا ، لأنّ العلم الإجمالي قد سقط أثره العقلي من العلَّية أو الاقتضاء ، وأمّا على الثاني فلا تجري البراءة العقليّة ، لأنّ اقتضاء العلم الإجمالي ثابت على حاله ، وإنّما لا تجب الموافقة القطعيّة للأصل الشرعي الخالي عن المعارض . وقد عرفت فيما سبق أنّ المختار هو المسلك الثاني دون الأوّل . إذا عرفت ذلك ، قلنا : إنّ المقصود هنا تطبيق المسلك الأوّل للانحلال على ما نحن فيه ، وهنا قد يبدو تهافت في كلمات المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه ، إذ هو يقول في الانحلال الحكمي بتنجّز بعض الأطراف ، بأنّه إنّما ينحلّ بذلك لو لم يكن ذاك المنجّز علما إجماليّا آخر ، نسبته إلى هذا العلم من حيث الأطراف عموم من وجه ، فإن كان كذلك ، فهو لا يقول بانحلال أحد العلمين بالآخر - ولو فرض أحدهما مقدّما زمانا - ، في حين أنّه يقول في فرض التقدّم الرتبي بانحلال العلم المتأخّر رتبة ، فيقال : أي فرق بين التقدّم الرتبي والتقدم الزماني ، حيث صار الأوّل موجبا لانحلال المتأخّر دون الثاني ، وهو قدّس سرّه لم يذكر في صريح كلامه وجها للفرق بينهما ، إلَّا أنّه يمكن استخلاص فرق بينهما بالتدقيق في عبائره ، وهو أنّ التقدّم الزماني لا يفيد شيئا ، لأنّ تنجّز العلم بقاء فرع الوجود البقائي للعلم المعاصر لحدوث العلم الثاني ، فانحلال الثاني بالأوّل ليس بأولى من العكس ، وهما يؤثّران في عرض واحد ( 1 ) ، وهذا بخلاف العلم المتقدّم رتبة ، فإنّه يؤثّر في رتبته ، ولا يمتدّ إلى رتبة العلم الثاني فيؤثّر ، وعندئذ كيف يؤثر العلم الثاني ؟ هل يؤثّر في الرتبة السابقة على نفسه أو يؤثّر في رتبته ؟ والأوّل غير معقول ، إذ لا يعقل تأثير شيء في الرتبة السابقة على نفس المؤثّر ، والثاني أيضا غير معقول ، لأنّ أحد طرفي العلم الإجمالي قد أصبح منجّزا في الرتبة السابقة فلا يقبل في هذه المرتبة تنجيزا ، والمعلوم بالإجمال إن لم يكن قابلا للتنجيز على كلّ تقدير ، لم يؤثّر فيه العلم . ولكن الواقع أنّ كلامه رحمه اللَّه لا يتمّ حتى بعد هذا التوجيه ، وذلك : إمّا أوّلا ، فلأنّ العلم الإجمالي الثاني وإن كان في طول العلم الإجمالي الأوّل
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 271
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٧١
هامش
( 1 ) راجع نهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 337 . .