بهذا العنوان ، فإنّه لم يرد مخصّص لفظي يدلّ على خروج الخارج عن محلّ الابتلاء عنه ، وإنّما المخصّص هو العقل ، وقد حكم بخروجه عن تحت العامّ من باب قبح التكليف بالخارج عن محلّ الابتلاء مثلا ، فالخارج عن تحت العامّ في الحقيقة هو عنوان ما يقبح التكليف به ، لا عنوان الخارج عن محلّ الابتلاء بما هو ، ومن المعلوم أنّ الشبهة المفهومية للخروج عن محلّ الابتلاء شبهة مصداقية لعنوان القبيح ، فيكون التمسّك فيه تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة .
التقريب الثاني : ما نترقّى فيه عن التقريب الأوّل ، ونقول : إنّه لا يجوز التمسّك بالعامّ هنا ، ولو فرضت الشبهة مفهومية ، وغضّ النّظر عمّا سبق ، وذلك لما مضى في بحث العامّ والخاصّ من أنّ نكتة التفصيل بين الشبهة المفهومية والشبهة المصداقية بالتمسّك بالعامّ في الأولى دون الثانية هي أنّ نسبة المولى - بما هو مولى - ونسبة العبد إلى الجهة الدخيلة في الحكم المشكوكة ، على حدّ سواء في الشبهة المصداقيّة ، فلا يجوز فيها التمسّك بالعامّ ، وهذا بخلاف الشبهة المفهومية ، فإنّ المولى أعرف بأنّه هل يكون عدم ارتكاب الصغيرة مثلا دخيلا في حكمه أو لا ، فيرفع احتمال دخله بالإطلاق لدى خروج الفاسق بالتخصيص ، وتردّده مفهوما بين مرتكب الكبيرة ومطلق العاصي ، ولكن لو شكّ في أنّ زيدا هل هو مرتكب للكبيرة أو لا ، فالمولى بما هو مولى ليس بأعرف منّا بالحال ، وعلى هذا ، فإن اتّفق في مورد في الشبهة المصداقية أنّ نسبة المولى بما هو جاعل للحكم ، ونسبة العبد لم تكن على حدّ سواء ، الحق ذلك بموارد الشبهة المفهومية ، وإن اتّفق في مورد في الشبهة المفهومية أنّ النسبتين على حدّ سواء الحق ذلك بموارد الشبهة المصداقية .
وعليه نقول فيما نحن فيه : إنّ المولى بما هو جاعل ومشرّع حاله حال العبد في جهة الشكّ في الحكم عند الشك في الخروج عن محلّ الابتلاء ، فإنّنا حتّى لو فرضنا أنّ الخارج عن تحت العامّ هو عنوان الخروج عن محلّ الابتلاء المشكوك هنا مفهوما يكون حال المولى هو حال العبد في جهة الشكّ في الحكم ، فقد يشكّ المولى كما يشكّ العبد ، فلا مجال هنا للتمسّك بالعامّ .
التقريب الثالث : ما نترقّى فيه أكثر من ذي قبل ، وهو أنّ غاية ما يمكن تحصيله بإطلاق الخطاب هي اعتقاد المولى ، لكنّ اعتقاد المولى بما هو مولى للدخول في محلّ الابتلاء ليس هنا مساوقا لإمكان جعل الحكم واقعا ، فلا يمكن التمسّك في إثبات الحكم بإطلاق دليل الحكم ، وهذا مبنيّ على فرض كون المحذور في التكليف فيما هو خارج عن محلّ الابتلاء عبارة عن استحالة تحصيل الحاصل ، مع فرض أنّ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 240
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٤٠