هذا ما أفاده المحقّق العراقي رحمه اللَّه تفسيرا لكلام المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه .
ولو أورد على هذا الكلام : بأنّنا نحرز في المقام إمكان الحكم الظاهري بنفس دليل الحكم الظاهري ، لأنّه دليل قطعي ، وهذا هو الحال في كلّ حكم ظاهري ، فمع احتمال قبحه ثبوتا ، وكون المصلحة في عدم جعله تثبت صحّته ثبوتا بنفس دليله ، والمفروض في الأحكام الظاهرية أنّه يجب انتهاؤها إلى دليل قطعي ، وبه ينتهي الإشكال .
أجبنا عن ذلك بأنّه في المقام لا يوجد دليل قطعي على حجّيّة هذا الظهور ، لأنّ دليله هو السيرة العقلائية وبناء العقلاء ، والعقلاء إذا لاحظوا فرض الشكّ في الدخول في محلّ الابتلاء الَّذي هو شرط إمكان الحكم وصحّته ثبوتا ، فقد شكَّوا في جعل الحجّيّة هنا .
نعم ، إذا ورد من المعصوم نصّ قطعيّ يدلّ على صحّة الجعل هنا ، ثبت به دخول ذلك الشيء في محلّ الابتلاء ، وإمكان الحكم الواقعي في نفسه ، وخرج عن محلّ الكلام .
ثمّ ، إنّ المحقق العراقي بعد أن فسّر كلام المحقّق الخراسانيّ بما عرفت ، أورد عليه إشكالا - حسب تعبير وارد في تقرير بحثه - يحتمل أن يكون المقصود منه ما يلي : وهو أنّ الحكم الظاهري ليس حاله حال الحكم الواقعي ، بحيث يكون احتمال الخروج عن محلّ الابتلاء مساوقا لاحتمال عدم إمكانه ، كما هو الحال في الحكم الواقعي ، فإنّ روح الحكم الظاهري عبارة عن شدّة الاهتمام بالحكم الواقعي ، وعدم الرضا بمخالفته على تقدير ثبوته ، ومن المعلوم أنّ تقدير ثبوته هو تقدير الدخول في محلّ الابتلاء ، والمفروض أنّ نفس العلم بشدة الاهتمام بالحكم على تقدير ثبوته يكفي في حكم العقل بالتنجيز الفعلي ، فإشكال احتمال الخروج عن محل الابتلاء يفترض إخلاله بأي شيء ؟ إن افترض إخلاله بالحكم الظاهري ، قلنا : إنّ الحكم الظاهري عبارة عن شدّة الاهتمام المقيّدة بفرض الدخول في محلّ الابتلاء ، وإن افترض إخلاله بحكم العقل بالتنجيز ، قلنا : إنّ المفروض أنّ نفس العلم بشدّة الاهتمام على تقدير وجود الواقع منجّز بالفعل عقلا .
بل إنّ الجواب لا يختصّ بفرض الالتفات إلى أنّ واقع الحكم الظاهري عبارة عن إبراز شدّة الاهتمام بالفرض الواقعي على تقدير وجوده ، فحتّى لو افترضنا أنّ الحكم الظاهري عبارة عن جعل الحكم المماثل ، أو نحو ذلك ، وغفلنا عن أنّ هذا مجرّد صياغة للمطلب ، وأنّ روح المطلب هو ذاك الاهتمام ، فعلى أيّة حال ما دمنا لا
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 237
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٣٧