غير المحصورة في بلد ليس من الحرج عليه ترك الذهاب إليه ، وترك جميع أوانيه ، فكيف يستدل بنفي الحرج على الترخيص في ذلك ؟ نعم ، قد يلزم الحرج من كثرة الأطراف ، لكنّه ليس بنحو الملازمة ، بل هو اتّفاقي ، كما يتّفق الحرج مع قلَّة الأطراف أيضا ، وهذا بخلاف ما ذكرناه من الوجهين من عدم ارتكاز المناقضة والاطمئنان ، فإن كلّ واحد منهما يكون لازما لبعض درجات كثرة الأطراف ، ولزوم العسر والحرج ليس كذلك ، بل أنّ ما ذكره المحقّق النائينيّ ( قدّس سرّه ) من عدم القدرة على المخالفة القطعيّة أيضا ، ليس لازما لبعض درجات الكثرة بعنوانها بقطع النّظر عن الخصوصيات الخارجية ، فقد يملك الإنسان مثلا آلاف الأواني ، وعلم إجمالا بنجاسة واحد منها ، وهو قادر على مساورة الجميع ولو في طول سنوات كثيرة ، فليست الشبهة غير المحصورة بعنوانها ضابطا لجريان الأصل ، إلَّا أن يكون مقصوده ( قدّس سرّه ) أنّ الغالب ، بالنسبة للعلوم الإجمالية ، هو أنّه في كلّ مورد مورد توجد خصوصيات وملابسات ، بحيث يكون بعض درجات الكثرة فيه مستلزم لعدم القدرة على المخالفة القطعيّة ، فيقول بعدم تنجيز العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة ، في غير الموارد النادرة ، ويجعل عنوان الشبهة غير المحصورة إشارة مثلا إلى تلك الموارد الغالبة ، والكثرة بعنوانها ليست ملازمة لعدم التنجيز ، كما كان ذلك على الوجهين المختارين .
بقي هنا أمور :
الأوّل : أنّه هل المخالفة القطعيّة في الشبهة غير المحصورة جائزة ، كترك الموافقة القطعيّة أو لا ؟ يختلف ذلك باختلاف مدارك عدم التنجيز .
فإن كان المدرك هو الإجماع ، فالمقدار الَّذي يثبت ابتداء هو جواز ترك الموافقة القطعيّة ، لأنّه القدر المتيقن من الإجماع الَّذي هو دليل لبيّ ، وعندئذ تدخل المسألة تحت فرض ثبوت الترخيص في بعض أطراف العلم الإجماليّ لا بعينه ، فإن قلنا : إنّ ذلك مستلزم لثبوت الترخيص في الجميع ، قلنا به هنا ، وإلَّا فلا .
وإن كان المدرك نفي الحرج ، فأيضا المقدار الَّذي يثبت ابتداء هو جواز ترك الموافقة القطعيّة ، فإنّ الحرج ينتفي بما هو دون المخالفة القطعيّة ، وعندئذ يبتني جواز المخالفة القطعيّة وعدمه على ما يختار في مسألة الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه .
وإن كان المدرك عدم القدرة على المخالفة القطعيّة كما ذهب إليه المحقق
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 143
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٤٣