تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الثانية : ما توجد في الأمارات النافية للتكليف ، مع العلم الإجماليّ المنجّز بالتكليف ، وهي نفس تنجيز العلم الإجماليّ ، كما لو دلّ خبر على حلَّيّة شيء ، وخبر آخر على حلَّيّة شيء آخر ، مع العلم الإجماليّ بحرمة أحدهما . وهذه الاطمئنانات لا تتعارض في الحجّيّة ، لا بالنكتة الأولى ، ولا بالنكتة الثانية : أمّا عدم تعارضها بالنكتة الأولى ، فلأنّ كلّ اطمئنان من هذه الاطمئنانات لا يكذّب الاطمئنان الآخر ، لاحتمال كون النجاسة في إناء ثالث ، نعم ، يمكن أن يتوهّم أنّ كلّ اطمئنان منها يعارض مجموع الاطمئنانات الأخرى ، كما يصنع ذلك بالأمارات المتعارضة التي تكون دائرة المعارضة فيها أوسع من اثنين ، فلو أخبر ثقة بوجود زيد ، والآخر بوجود عمرو ، والثالث بوجود بكر ، فكلّ خبر يعارض مجموع الخبرين الآخرين ، لكن هذا الكلام هنا غير صحيح ، لما عرفت من أنّ مجموع الاطمئنانات لا تكشف عن طهارة المجموع ، فلا يقع تعارض بين اطمئنان واحد ، ومجموع باقي الاطمئنانات ، إذ لم تثبت بمجموعها طهارة مجموع الباقي المستلزمة لنجاسة هذا الفرد . وأمّا عدم تعارضهما بالنكتة الثانية ، فلوجهين : أحدهما : ما عرفت من عدم ارتكاز المناقضة عقلائيا بين الترخيص في المخالفة القطعيّة ، والتكليف المعلوم بالإجمال إذا كانت الشبهة غير محصورة ، فكما قلنا في مثل أصالة الحلّ : إنّه لا مانع من جريان الأصل في تمام الأطراف ، وإن لزم منه الترخيص في المخالفة القطعيّة ، لعدم مناقضة ذلك ارتكازا للتكليف المعلوم بالإجمال ، كذلك نقول هنا : إنّه لا مانع من حجّيّة هذه الاطمئنانات وإن لزم منها الترخيص في المخالفة القطعيّة ، لعدم مناقضة ذلك ارتكازا للتكليف المعلوم بالإجمال . وثانيهما : ما نقوله في المستوى الثالث الأرفع ، وذلك المستوى هو أنّه بعد أن عرفت أنّ هذه الاطمئنانات لا تتعارض بملاك التكاذب نقول : إنّه لا مانع من حجّيّة الجميع ، حتّى إذا لم نوافق على ارتفاع محذور تنجيز حرمة المخالفة القطعيّة بكون الشبهة غير محصورة ، وذلك لأنّنا ننكر أصل لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة من حجّيّة هذه الاطمئنانات ، وذلك لأنّ بناء العقلاء على حجّيّة الاطمئنان ليس معناه إلَّا أنّ ما في مقابله من الكسر الضئيل ليس منجّزا أو معذّرا ، فحجّيّة الاطمئنان فيما نحن