تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦

أنّه بناء على هذا لا تجري الأصول ، لأنّ هذا داخل في باب الشكّ في القدرة ، وفي باب الشكّ في القدرة لا بدّ من الاحتياط ( 1 ) . أقول : هذا الكلام منه ( قدّس سرّه ) من الغرائب ، فإنّ كون الشكّ في القدرة موردا للاحتياط إنّما هو بأحد معنيين : الأوّل : أنّه إذا شكّ الإنسان في قدرته على الامتثال يجب عليه التصدّي للامتثال والانشغال في هذا الطريق إلى أن يحصل له اليأس ، في قبال فرض احتمال عدم القدرة على الامتثال معذّرا عن هذا العمل . والثاني : أنّه إذا شكّ الإنسان في قدرته على العصيان ، وأنّه هل يقدر مثلا على إطلاق الرصاص ، بهذه الآلة المخصوصة ، فيقتل زيدا أو لا ؟ فليس له أن يصير في طريق إطلاق الرصاص ، ويحاول إطلاقه بالضغط على تلك الآلة ، ونحو ذلك ، في قبال فرض احتمال عدم القدرة على العصيان معذّرا ومجوّزا لمثل هذا العمل الَّذي يحتمل ترتّب القتل عليه . وشئ من هذين المعنيين غير مربوط بما نحن فيه : أمّا الأوّل فواضح ، فإنّ المفروض فيما نحن فيه ليس هو عدم القدرة على الامتثال ، بل هو قادر على ترك الجميع ليحصل الامتثال القطعي ، وإنّما المفروض هو عدم القدرة على العصيان القطعي . وأمّا الثاني فلأنّ العصيان القطعي فيما نحن فيه إن صدر منه ، فإنّما يصدر منه بعد أن يزول الشكّ في القدرة وعدمه ، وذلك حيث إنّه يرتكب الأطراف بالتدريج إلى أن يبقى مقدار يرى أنّه قادر على ارتكابه ، لا أن يبقى الشكّ إلى زمان حصول العصيان القطعي ، لكون ذلك أمرا مرتّبا على عمله قهرا ، من دون اطَّلاع منه على أنّه هل سوف يترتّب أو لا ، نظير مثال ترتّب القتل على الضغط على آلة الرصاص حتى يقال : إنّ هذا الشكّ مؤمّن أوليس بمؤمّن . ثم لو فرض دخول ما نحن فيه في باب الشكّ في القدرة على الامتثال ، أو في القدرة على العصيان ، فلزوم الاحتياط إنّما هو حكم ظاهري ، وليس حاله حال الحكم الواقعي الَّذي لم يكن يمكن عقلا الترخيص في مقابله ، فهذا لا يمنع عن جريان الأصول في الأطراف ، إذ ليس محذور عقلي في رفع اليد عن هذا الاحتياط ، كما كان محذور عقلي حسب ما يقولون في الترخيص في المخالفة القطعيّة ، وهذا

هامش
( 1 ) راجع نهاية الأفكار : القسم الثاني من ج 3 ، ص 335 . .