فيه إنّما معناها أنّ احتمال النجاسة بمقدار الواحد من ألف الَّذي هو في قبال أقلّ درجات الاطمئنان - حسب الفرض - ليس منجّزا ، وهذا لا يعني أنّ احتمال نجاسة أحد إناءين مثلا من تلك الآنية الَّذي قيمته اثنان من ألف ليس منجّزا ، فالمكلَّف لا يجوز له شرب إناءين من تلك الآنية ، اعتمادا على الحجّيّة العقلائية للاطمئنان ، فإنّه لو فعل كذلك فقد خالف - أيضا - احتمال نجاسة أحد الإناءين الَّذي هو بمقدار اثنين من ألف ، وهو بقطع النّظر عن أدلَّة الأصول منجّز ، وليس قد خالف فقط احتمالين قيمة كل واحد منهما واحد من ألف ، حتى يقال : إنّنا مأمونون في قبال كل واحد من هذين الاحتمالين . وهذه نتيجة النقص الَّذي كان في أصل تكوّن الاطمئنان ، وانعكس على مرحلة الانكشاف ، والآن قد انعكس على مرحلة الحجّيّة أيضا ، وقد تحصّل : أنّ مقتضى حجّيّة الاطمئنانات هو جواز شرب إناء واحد .
وهنا كلام : وهو أنّه لو فرض كون العلم الإجماليّ مقرونا بالشكّ البدوي ، بنحو لم يحصل الاطمئنان بالطهارة في كلّ فرد من الأفراد ، كما لو كنّا نحتمل نجاسة الجميع احتمالا منافيا للاطمئنان ، وفرض عدم تعيّن واقعي للمعلوم بالإجمال ، كما لو كان العلم الإجماليّ وليدا للاحتمالات الثابتة في الأطراف ، فعندئذ يمكن أن يتخيّل أنّه لا معنى للقول بجواز شرب إناء واحد تمسّكا بحجية الاطمئنان ، إذ لا اطمئنان بطهارة أيّ فرد من الأفراد ، ولا بعدم انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، إذ لا تعيّن للمعلوم بالإجمال حتى في الواقع .
وحلّ المطلب هو : أنّ العلم الإجماليّ - لو فرض الجميع مثلا حراما في الواقع - قد نجّز علينا حرمة واحدة بهذا العنوان ، أي : بعنوان الحرمة الواحدة ، لا بعنوان ينطبق على خصوص بعض الأفراد في الواقع ، حتى يقال : إنّه لا تعيّن له .
وأمّا باقي المحرمات فهي داخلة تحت الأصول المؤمّنة ، ولذا لو شرب الجميع لم يعاقب إلَّا بعقاب واحد ، وإذا كان المقدار المنجّز ذلك جاز له شرب إناء واحد ، إذ لو شربه لا يحتمل احتمالا معتدّا به عدم امتثال حرمة واحدة ، بل يكون مطمئنّا بامتثالها ، والمفروض أنّه لم يتنجّز عليه أكثر من هذا المقدار .
هذا ، وقد تحصّل : أنّ الوجه الصحيح في عدم تنجيز العلم الإجماليّ إذا كانت الشبهة غير محصورة أمران :
أحدهما : عدم ثبوت محذور ارتكاز مخالفة الترخيص في الأصول للمعلوم بالإجمال . والثاني : الاطمئنان بالامتثال .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 141
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٤١