يستحيل أن يكون مجموع الانكشافات مساوقا لانكشاف المجموع ، حتى تتشكَّل سالبة كلَّية ، والتي هي نقيض الموجبة الجزئية .
وأمّا محمولها ، وهو حجّيّة هذا الاطمئنان في المقام ، فالإشكال الموجود في ذلك هو تعارض هذه الاطمئنانات في الحجّيّة ، للعلم الإجماليّ بالخلاف ، كتعارض سائر الأمارات عند حصول العلم الإجماليّ بالخلاف ، وتساقطها كتساقط سائر الأمارات المتعارضة ، وكون الحجّيّة التخييرية على خلاف القاعدة كما هو الحال في سائر الأمارات المتعارضة .
ونحن نتكلَّم في حلّ هذا الإشكال على ثلاثة مستويات ، نبدأ بالمستوى النازل فنقول :
إنّ بالإمكان دعوى كون الحجّيّة التخييرية في المقام على طبق القاعدة ، وفق بناء العقلاء وإن لم يكن الأمر كذلك في سائر الأمارات العقلائية ، وذلك لأنّه إذا تعارض خبران لثقتين بالعلم الإجماليّ بكذب أحدهما ، لإخبار معصوم بذلك مثلا ، فهذا العلم الإجماليّ يجعل الكشف لكلّ من الأمارتين أنقص منه لولا العلم الإجماليّ ، ويزيد في النقص الذاتي للكشفين ، فكلّ من الأمارتين كان كشفها مثلا ناقصا ذاتا بمقدار ( 25 بالمائة ) ، ثم صار ناقصا مثلا بمقدار ( 50 بالمائة ) ، فهذا النقص الإضافيّ يؤثّر في عدم بناء العقلاء على الحجّيّة التخييرية .
وأمّا فيما نحن فيه ، فالعلم الإجماليّ لا يوجب نقصا في الاطمئنانات زائدا على النقص الذاتي الَّذي كان موجودا فيها ، فإنّ هذا العلم الإجماليّ ليس إلَّا تجميعا لنفس تلك الكسور الضئيلة الثابتة في الاطمئنانات ، لنقصها ذاتا ، فإن تلك الكسور هي بنفسها ما ينتج من تقسيم رقم اليقين على عدد الأطراف ، فإذا كان هذا العلم الإجماليّ تجميعا لنفس تلك النقائص ، فلا معنى لفرض إيجاب ذلك نقصا جديدا في الاطمئنانات ، فيدّعى بناء العقلاء على الحجّيّة التخييرية فيها .
ثم ننتقل من هنا إلى مستوى أرفع ، وننكر أصل المعارضة بين هذه الاطمئنانات في الحجيّة ، فإنّ تعارض الأمارات بعضها مع بعض إنّما يكون بإحدى نكتتين :
الأولى : ما توجد في جميع الأمارات المتعارضة ، وهي التكاذب ، فلو دلّ خبر على وجوب صلاة الجمعة ، والآخر على وجوب صلاة الظهر ، ونحن نعلم إجمالا بعدم وجوب كلتا الصلاتين ، فكلّ منهما بدلالته الالتزامية يكذّب الآخر فيتعارضان .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 139
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٣٩