تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨

مستحيل ، إذ يناقض ذلك العلم الإجماليّ بالنجاسة ، لأنّه تتشكل بالجمع بين الاطمئنانات السالبة الكليّة ، وهي تناقض الموجبة الجزئية التي تعلَّق بها العلم الإجماليّ ، ولا معنى للقطع بموجبة جزئيّة مع الاطمئنان أو الظنّ بالسالبة الكلَّيّة . وأجاب هو ( قدّس سرّه ) عن ذلك : بأنّنا إنّما حصل لنا أحد الاطمئنانات على سبيل البدل ( 1 ) . أقول : إنّ هذا الجواب بلا توجيه ليس له معنى معقول . وعلى أيّة حال ، فهذا الاستشكال في موضوع القضية غير صحيح ، ولو صحّ هذا الاستشكال هنا لجاء في الشكّ في الأطراف أيضا ، فإنّ العلم بالموجبة الجزئية لا يجتمع ، لا مع العلم بالسالبة الجزئية ، أو الاطمئنان بها ، ولا مع الظنّ بها ، ولا مع احتمالها ، مع أنّ العلم بالجامع بنحو الموجبة الجزئية في العلم الإجمالي قرين دائما لاحتمالات الخلاف في الأطراف . وتحقيق الكلام في حلّ المطلب هو : أنّ انكشاف كلّ واحد واحد من عدّة أمور إنّما يستلزم انكشاف المجموع بمرتبة من الانكشاف ، إذا كانت تلك المرتبة من الانكشاف ثابتة في كلّ واحد منها بنحو الإطلاق ، أي : حتّى على تقدير مطابقة الانكشاف في الفرد الآخر للواقع ، فلو أخبر ثقة بوجود زيد ، وثقة آخر بوجود عمرو ، انكشف لنا بمرتبة من مراتب الانكشاف وجود كليهما ، لأنّ انكشاف وجود كلّ واحد منهما بتلك المرتبة مطلق ، أي : يكون حتّى على تقدير مطابقة الانكشاف في الفرد الآخر للواقع . وأمّا الاطمئنانات فيما نحن فيه ، فكلّ واحد منها ليس اطمئنانا مطلقا ، حتّى على تقدير مطابقة الاطمئنان الآخر للواقع ، وبطلان احتمال النجاسة فيه ، وذلك لنقص في نفس تكوّن هذا الاطمئنان ، إذ هو تكوّن على أساس احتمالات النجاسة في سائر الأطراف ، فإنّه كلَّما كثر الأطراف وانقسم رقم اليقين بالنجاسة عليها ، قلّ - لا محالة - سهم هذا الطرف من الاحتمال ، وحصل الاطمئنان بعدمها فيه ، وإذا كان تكوّن هذا الاطمئنان إنّما هو على تقدير الاحتمال في سائر الأطراف ، فيستحيل أن يكون له إطلاق لتقدير بطلان ذلك الاحتمال ، فهذا النقص في مرحلة تكوّنه قد انعكس على مرحلة انكشافه ، ومع هذا النقص وعدم إطلاق الانكشاف

هامش
( 1 ) راجع نهاية الأفكار القسم الثاني : من الجزء الثالث ، ص 330 . والمقالات : ج 2 ، ص 89 . .