نعم ، لا بدّ من التفتيش عن دليل أصل يشمل فرض العلم الإجماليّ ، كأصالة الحلّ لا كأصالة البراءة ، وهذا ما مضى تفصيله فيما سبق . والخلاصة : أنّه مع كثرة الأطراف لا أقلّ من عدم ارتكاز المناقضة ، إن لم نقل بارتكاز عدم المناقضة ، ويؤيّد ما ذكرناه حديث أبي الجارود : سألت أبا جعفر ( عليه السلام ) عن الجبن فقلت : أخبرني من رأي أنّه يجعل فيه الميتة . فقال : ( أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض ؟ ) . وهذا الحديث وإن كان ضعيفا سندا لكنّه على أيّ حال يؤيّد غلبة الأغراض الترخيصية في الشبهة غير المحصورة على الغرض الإلزاميّ ، بل كون ذلك موافقا لطبع العقلاء ، وغير مناف لارتكازهم ، فإنّ الظاهر من قوله بلسان الاستفهام الإنكاري : « أمن أجل مكان واحد حرم جميع ما في الأرض » ، هو ذلك ، مضافا إلى أنّ نفس نقل هذا الخبر واحدا بعد واحد - ولو فرض كونه غير صادر من الإمام عليه السلام - وعدم بيان أحد لاستنكاره بمقتضى طبعه العقلائي مؤيّدا لذلك . ومناقشة الشيخ الأنصاري رحمه اللَّه ( 1 ) في دلالة الحديث - بأنّه لعلّ المقصود أنّه علم في مكان بوضع الميتة فيه ، فصار ذلك منشأ للاحتمال بالنسبة لأيّ مكان آخر أيضا ، فذكر الإمام عليه السلام : أنّ هذا لا بأس به ، وأنّه من أجل مكان واحد لا يحرّم جميع ما في الأرض ، فالرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه - غير صحيحة ، فإنّ هذا خلاف الظاهر ، خصوصا بقرينة ما في ذيل الحديث ، من قوله : « واللَّه إنّي لأعترض السوق ، فاشتري اللحم والسمن والجبن ، واللَّه ما أظنّ كلَّهم يسمّون هذه البرية وهذه السودان » ، فإنّ الظاهر من مثل هذه العبارة ليس هو الظنّ بعدم التسمية ، بل الاطمئنان بذلك الناشئ من عدم مبالاة هؤلاء بالدين ، وعدم اطَّلاعهم على الأحكام ، وكونهم جديدي العهد بالإسلام ، فيحتمل بشأن كلّ واحد منهم عدم التسمية ، ويتقوّى الاحتمال كلَّما كثرت الأطراف إلى أن يصل إلى مستوى الوثوق . المقام الثاني : في الانحلال بقطع النّظر عن أدلَّة الأصول ، وتوضيح ذلك : أنّ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 136
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٣٦
شرح
- الترخيص القطعي في المخالفة ، وإن لم يلزم ترخيص في المخالفة ، كما إذا كانت المخالفة القطعيّة غير ممكنة ، كما لو علمنا إجمالا بحرمة الكون في أحد المكانين في وقت واحد ، ويستحيل الكون فيهما معا في ذلك الوقت .
هامش
( 1 ) راجع الرسائل : ص 259 حسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة اللَّه . .