الشبهة غير المحصورة التنبيه الثالث
:
في أنّه هل هناك مرتبة من كثرة أطراف العلم الإجماليّ إذا وصلت إليها سقط عن التنجيز ، وجاز الارتكاب أو لا ؟ والمفروض هو الكلام بالنظر إلى نكتة تنبع من ذات الكثرة تمنع عن التنجيز دون نكتة اجتمعت صدفة مع كثرة الأطراف ، كما قد تجتمع مع قلَّة الأطراف ، كالاضطرار إلى بعض الأطراف ، أو خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء ، أو العسر والحرج ، ونحو ذلك ، ممّا يدّعى إيجابه لرفع اليد عن العلم الإجماليّ .
وهنا لا بدّ من النّظر أوّلا إلى دليل انحلال أثر العلم بكثرة الأطراف ، ثم تحديد مقدار الكثرة التي لا بدّ منها للانحلال على ضوء ذلك الدليل ، وتسمية ذلك بالشبهة غير المحصورة مثلا ، لا أن نتكلَّم أوّلا في ضابط الشبهة غير المحصورة ، فإنّ هذا العنوان لم يؤخذ في لسان رواية مثلا في المقام ، كي نتكلَّم عن تحديد مفهومه .
ثم الانحلال تارة يدّعى بلحاظ أدلَّة الأصول ، وأخرى يدّعى بقطع النّظر عن أدلَّة الأصول ، فهنا مقامان :
المقام الأوّل : في الانحلال بلحاظ أدلَّة الأصول .
ذهب المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه إلى أنّه إذا كانت الشبهة غير المحصورة ، فلا مانع من جريان الأصول في الأطراف ، لأنّ العبد لا يقدر على المخالفة القطعيّة بارتكاب تمام الأطراف ، وقد كان الوجه في تعارض الأصول أنّ المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم قبيح ، ولا يمكن أن يرخّص الشارع في القبيح ، فلا يمكن جريان الأصول في كلّ الأطراف ، وعندئذ تقع المعارضة بين الأصول وتتساقط ، لأنّ جريان بعضها دون بعض ترجيح بلا مرجّح ، وجريان الجميع يوجب الترخيص في المخالفة القطعيّة . ففي ما نحن فيه لمّا لم تكن المخالفة القطعيّة مقدورة ، فإن لم يكن قبح في المقام ، لأنّ قبح الشيء فرع القدرة عليه ، فلا محذور في جريان الأصول .