لكنّه بالنظر إليه وحده مشكوك بالشكّ البدويّ .
فتحصّل إلى هنا أنّ هذا الإشكال - وهو إشكال جريان البراءة في مورد دوران الأمر بين المحذورين ، وكون أحدهما تعبّديا - مركَّز على جميع المباني ، ومن هنا تتحقّق المعضلة ، حيث إنّنا لو قلنا بأنّ الاضطرار هنا يكون إلى أحد الأطراف لا على التعيين ، فيكون العلم الإجماليّ منجّزا ، فقد عرفت أنّ البرهان العقليّ على خلافنا ، ولو التزمنا بعدم التنجيز رأسا وجواز المخالفة القطعيّة كان ذلك مستبعدا بحسب الذوق المتشرعيّ ، وإن كان لا حجّيّة لهذا الاستبعاد .
والتحقيق : أنّ هذه المعضلة لا جواب عنها أصوليّا ، ولكن يمكن حلَّها فقهيّا ، وذلك بدعوى التوسعة في دائرة القربة المعتبرة في العبادات هنا .
وتوضيح المقصود : أنّه لا ينبغي الإشكال فقهيّا في أنّه لا يعتبر كون داعي القربة هو المحرّك الفعليّ للعبد نحو العبادة ، بل تكفي صلاحيته للمحرّكيّة بالفعل ، بمعنى أنّه لو اجتمع للعبد داعيان إلى عمل عباديّ أحدهما داعي القربة ، والآخر داع دنيويّ بحيث كان كلّ منهما في نفسه علَّة تامّة للتحريك وقع عمله عباديّا ، فإنّه وإن لم يكن داعي القربة هو المحرّك بالفعل ، بل المحرّك مجموع الداعيين ، إذ مهما اجتمعت علَّتان تامّتان على معلول واحد صار كلّ واحد منهما - لا محالة - جزء العلَّة ، لكنّه صالح للداعويّة والمحرّكيّة بالفعل ، إذ هو في نفسه علَّة تامّة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 616
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦١٦