البداهة لم تكن في حدود هذا الحكم ، فادّعى بعضهم عدم جريان هذه القاعدة في الشبهات الموضوعيّة لتماميّة البيان من قبل المولى ، إذ المفروض من قبل المولى إنّما هو بيان الكبرى ، وأمّا بيان أنّ هذا خمر مثلا ، أو خلّ ، فليس من شأن المولى ، وذهب الأكثر إلى جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة ، ولهم في دفع كلام أولئك الأوّلين مسلكان :
أحدهما : ما ذكره بعضهم من الكلام في معنى لفظ ( البيان ) من أنّ البيان معناه الإظهار ، وظهور الشيء إنّما يكون بظهور كبراه وصغراه معا ، وفي الشبهات الموضوعيّة لم تظهر الصغرى وإن ظهرت الكبرى ، فلم يتمّ بيان النتيجة ، فكأنّ هؤلاء وقعوا تجاه نصّ في الكتاب أو السنة فأرادوا تفسيره .
وثانيهما : ما ذكره بعضهم من دعوى ثبوت ملاك البراءة في الشبهات الحكميّة في موارد الشبهات الموضوعيّة أيضا .
وتقريبه أنّ ملاك قبح العقاب بلا بيان ليس هو تقصير المولى في مقام البيان حتى يقال : إنّ في موارد الشبهات الموضوعيّة لا تقصير من جانب المولى ، وإنّ بيان الموضوع ليس من شأن المولى ، وإنّما ملاكه هو عدم المقتضي للتحريك الَّذي هو العلم ، وهذا ثابت في الشبهات الموضوعيّة أيضا ، لعدم العلم ، فيقبح العقاب لعدم المقتضي للتحريك .
أقول : إنّنا نستفيد من نفس اختلافهم في ذلك تأييد عدم بداهة هذه القاعدة ، فإنّ المفروض عند القائلين بالبراءة العقليّة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 555
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٥٥