يختصّ بحكم غير حكم الآخر ، ولو فسّرنا الرّد إلى اللَّه ( تعالى ) - الَّذي هو حكم القسم الثالث ، وهو الأمر المشكل - بمعنى الترك والاجتناب - وهو المطابق لقول الأخباريّ - ، لكان ذلك عين حكم القسم الثاني ، فنعرف انّ المراد من ذلك ليس هو الاجتناب ، بل التوقّف باعتبار أنّ الأمر المشكل له وجهان ، فلا يؤخذ بأيّ واحد منهما ، لأنّ الأخذ بأيّ واحد منهما أخذ بغير حجّة ، وهو غير جائز ، وهذا السياق كلَّه ليس واردا في معلوم الحلَّيّة ومعلوم الحرمة ومشكوكهما ، بل وارد في الدلالات والروايات ، كما يناسب التطبيق على الروايتين المتعارضتين فالمقصود : أنّ الدلالة على ثلاثة أقسام : دليل بيّن الصحّة فيتّبع ، والتعبير بالاتّباع لا يناسب الحكم ، فإنّه لا معنى لاتّباع معلوم الحلَّيّة ، بل يناسب باب الدلالة والأماريّة ، ودليل بيّن البطلان فيجتنب ، ودليل ملتبس فيردّ إلى اللَّه - أي لا يؤخذ باحتمال صحّته ولا باحتمال عدم صحّته - وهذا مطلب صحيح لا نزاع فيه ، ولا علاقة للحديث بما نحن فيه ، فإنّه إنّما هو بصدد بيان أنّ الأمر المشكل ذا الوجهين لا يجوز الاعتماد على أحد وجهيه ، ونحن أيضا نقول بهذا المطلب ، ونحن حينما نحكم في الشبهات البدويّة بالحلّ لا نحكم به اعتمادا على احتمال الحلّ في قبال احتمال الحرمة ، بل نحكم به استنادا إلى ( رفع ما لا يعلمون ) ونحوه من الأدلَّة .
وأمّا التثليث المذكور في كلام النبيّ صلى اللَّه عليه وآله الَّذي استشهد الإمام عليه السلام به ، فظاهره أنّ نظره في الاستشهاد
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 434
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٣٤