تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ناشئ عن اختياره وإن كان اضطراريّا في قبال الاختيار في نفس ساعة الاضطرار ، فمن ألقى نفسه مثلا من شاهق فمات يقال عنه : إنّه قتل نفسه باختياره ، لا أنّه هلك اضطرارا ومن دون قدرته وإن كان بعد إلقاء نفسه لا يكون في الهواء قادرا على إيقاف نفسه وإنجائها من الهلاك . فالمفهوم عرفا من الاضطرار إنّما هو الاضطرار في قبال أصل الاختيار ، لكن هذا البيان - كما ترى - لا يأتي في باب النسيان ، فإنّه يقال عمّا نسيه : إنّه منسيّ حتى مع فرض كون ذلك بسوء اختياره ، فالعرف لا ينفي هنا النسيان كما كان ينفي الاضطرار [ 1 ] . إذن فمدّعاه رحمه اللَّه في باب الاضطرار صحيح دون النسيان . ودليله على مدّعاه غير صحيح .
شرح
[ 1 ] لا يبعد أن يقال : إنّ من ألقى نفسه من شاهق فهو في حين الإلقاء قد خالف باختياره دليل حرمة إلقاء النّفس في التهلكة ، أو دليل حرمة قتل النّفس ، أو حرمة الإضرار بالنفس . وهذا خارج موضوعا عن دليل نفي الاضطرار ولو فسّر ذلك بمعنى الاضطرار في ساعة الاضطرار . أمّا لو فرضنا أنّه حين ألقى نفسه من شاهق لم يكن بعد قد نزل الحكم بتحريم الإلقاء في التهلكة وقتل النّفس وحرمة الإضرار بها ، وبعد أن ألقى نفسه نزل الحكم بتحريم الإضرار بالنفس ، وبترتّب بعض التبعات على ذلك من كفّارة ، أو حدّ ، أو تعزير ونحو ذلك ، ثمّ سقط على الأرض وانكسرت رجله ، كان ذلك داخلا تحت دليل نفي الاضطرار ، لأنّه من حين نزول الحكم كان مضطرّا ولم يكن له مناص . وكذلك نقول في النسيان : إنّه لو وجبت المحافظة من ناحية النسيان لإحرازنا لأهميّة الموضوع ، أو لاقتضاء إطلاق دليل وجوب ذلك الواجب المحافظة عليه في داخل الوقت ، أو لأي دليل آخر ، ثمّ ورّط نفسه في النسيان فقد خالف - في ساعة ترك المحافظة - الحكم متذكَّرا وهو خارج عن حديث رفع النسيان موضوعا ، وإلَّا فهو مشمول للحديث .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 207 | السيد كاظم الحسيني الحائري